Menu

ثورة أم صراع على سوريا؟!

محمود الراس

صدق تشي جيفارا حينما قال " لا شيء أسوأ من خيانة القلم؛ فالرصاص الغادر قد يقتل أفراداً بينما القلم الخائن قد يقتل أمماً". آه لو علمت يا جيفارا بأن اليوم القلم الخائن يقتل شهداء، ويتاجر بالأوطان.

مخطئ من اعتقد ولو ليوم واحد بأن الصراع الدائر في سوريا كان بهدف اسقاط النظام أساساً، وللحقيقة فإن الصراع الدموي الذي انفجر في سوريا مغلفاً تارة بثورات الربيع العربي، وتارة بالصراع الطائفي المذهبي، ما كان في الجوهر إلّا صراعاً على سوريا الدولة وخارطة تحالفاتها الجيوسياسية.

 هذا الصراع الذي لم يتوقف يوماً، والذي أخذ أشكالاً وأبعاداً مختلفة ومتعددة، وإن كان الأكثر عنفاً ودموية في السنوات الأربع الأخيرة بعد أن اضطرت العديد من الدول صاحبة المصلحة لتواجدها العلني سواء عبر جنودها وأساطيلها البحرية والجوية، أو عبر تسليح وتدريب وتمويل وعسكرة وكلائها المحليين، أو عبر استئجار وإعادة توجيه الإرهاب التكفيري، وتغذية الصراعات الطائفية والاثنية.

 ولأن لكل دولة من هذه الدول أهدافها ومصالحها ومجالها الجيوسياسي المختلف والمتصارع أحياناً كثيرة، حاولت الامبريالية المتوحشة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها دولة الكيان الصهيوني على ادامة الازمة بهدف الاجهاز على الجيش العربي السوري، وقطع خطوط الامداد عن المقاومة اللبنانية، بل وتحويل الصراع من صراع على نظام الحكم إلى صراع على الخريطة الجيوسياسية لسوريا.

ولعل القارئ لتقديرات رئيس السي آي ايه قبل عام بأن الخارطة الجيوسياسية في المنطقة لن تعرف سوريا كما عهدتها قبيل العام 2012، وكذلك الحديث المتكرر لرئيس الموساد السابق حول الأزمة السورية، وكيفية عمل العدو الصهيوني وما سيعمل لتحويل المهددات إلى فرص لتعزيز أمنه وحماية مصالحه بالمنطقة، فالسياسة على مبدأ " عدو عدوي صديقي" كانت ولا زالت تفرض على الفلسطينيين التحالف مع كل من عادى ويعادي هذا الكيان، ويؤازر مقاومة شعبنا، ويمد لها يد العون بالمؤن والسلاح ويقاوم ويضرب مصالح عدونا وحلفائه بالمنطقة.

لذا كان لزاماً علينا ومن منطلق أخلاقي واعي بعيداً عن الحسابات الخاصة، أو الانجرار للأجندات الخارجية، أن نتضامن مع الجيش السوري الذي يُستهدف بالغارات والاستنزاف بدعم عصابات التكفير بالجنوب السوري، ونرى في انتصاراته على هذه الجماعات إفشال لمخطط تفتيت الدولة السورية.

وعندما تكون مهمة تفتيت وتقسيم سوريا مهمة مركزية للإمبريالية العالمية مرتكزة في مشروعها على تواجد الجماعات المسلحة، والذين حولتهم قوى الامبريالية إلى جيش من المرتزقة لتنفيذ أجندتها التقسيمية في سوريا من الطبيعي أن يرتاح الفلسطينيين لأن سوريا شعباً وجيشاً أفشلوا تلك المخططات السوداء، ولكن من المستهجن فلسطينياً أن يُكال بمكيال مختلف اتجاه دماء أبناء الأمة الواحدة استناداً للمذهب أو الدين أو العرق، ونحن من اكتوى بنار المعايير المزدوجة في التعامل، بل وفي تخريج القرارات والقوانين الدولية.

ومع أننا ضد أيّ عنف وقتل تتعرض له الشعوب بما في ذلك الشعب العربي السوري، فإنه من المعيب أن نغض البصر والبصيرة عن مجازر راح ضحيتها آلاف الأطفال والشيوخ والنساء فقط، لأنهم يقتلون بأيدي ممولي حرب الطوائف، ونشيع ونكفر بل وندعو لجهاد من قاتل لإفشال مخططات صهيوأمريكية في بلد تقاطر عليها المقاتلون من شتى أصقاع الأرض تنفيداً لأجندة وسياسات وجهت وبرمجت الإرهاب لتحقيق مصالحها الجيوسياسية في هذا ال قطر أو ذاك.

ألم يكن المشروع المرسوم لسوريا هو مشروع التقسيم على أساس مذهبي طائفي؟!، وهل يمكن أن تكون مع تحويل سوريا لدولة فاشلة كما جرى في ليبيا ؟ وما يجري في اليمن؟

من هنا كان موقف الجبهة الرافض للخروج من مظلومية النظام لمظلومية الفوضى وحرب الطوائف، ونحن ضد القتل المجاني للمواطنين، وضد استنزاف طاقات الشعب السوري البشرية والمادية في خدمة مشاريع صهيوأمريكية. نحن مع إرادة الشعوب، وحقها في اختيار شكل ونظام الحكم فيها. نحن مع وحدة البلاد السورية والتي تدافع عليها كل الظلاميون من كل حدب وصوب لتقسيمها خدمة لأجندات صهيونية غربية.

ولكن عندما كان الخيار إما مع سوريا أو الشراكة في الصراع على سوريا كنا مع سوريا شعب وجيش. والمطلوب اليوم من الشعب السوري الجلوس على طاولة مستديرة لاختيار شكل ومضمون النظام الذي يريدونه، اجتماع وطني سوري شامل يضم كافة أطياف الشعب السوري خاصة من جماعات المعارضة التي لم تتلوث أيديهم بدماء الشعب السوري، أو بالمال الأسود الغربي الوهابي. بما يعيد لسوريا مكانتها وتاريخها، ويعيد استقرارها لتكون في خدمة الشعب السوري كله دون تمييز.