Menu

عن الملك أبو جلدة وصاحبه شديد البأس (أول الرصاص 2)

أحمد مصطفى جابر

 

كفارس خارج من حكاية خيالية، يتجلى (الملك) يجر إلى جانبه سيفا صقيلا، طويلا، مرتدياً بزة عسكرية وحذاءاً بساق طويلة، وقد زين كتفيه بسيوف ونجوم، كإعلان هوية ورفض لما وصمه به أعداءه من شقوة وقطع طريق، فإذا كان أعداؤه يلبسون الزي الرسمي ويتزينون بالأوسمة كدلالة على شرعيتهم، فهو لا يقل عنهم، عنده زي رسمي، وعنده جيش وعنده شعب يناديه بـ (الملك أبوجلدة).

فمن هو الرجل النحيل، قصير القامة الذي توجه العامة (ملكا) ووصفه شاعر كبير بأنه (نبي الأمة) ومن هو صاحبه "قوي البنية شديد البأس الذي عينه نائبا له مطلق الصلاحيات"؟

أصل الحكاية: تأسيس

يحكي نجاتي صدقي، في مذكراته الشيقة: "تعرفنا في السجن إلى رجلين شغلا حكومة الانتداب مدة طويلة في حرب العصابات. وهما أبوجلدة والعرميط، لقد ألف هذان الفلاحان مجموعة لمحاربة الاحتلال البريطاني مثل كثير من المجموعات المنتشرة في البلاد والمؤلفة غالبا من الفلاحين الذين باتوا بلا أرض أو عمل".

يصلح ما كتبه صدقي على قِصره، كنص تأسيسي للكتابة وتأسيس معرفة عن أبو جلدة وصاحبه العرميط، وليس لدينا مبرر للشك بأن الرجل استقى معلوماته منهما بالذات، أثناء وجوده في السجن الذي خرجا منه إلى المشنقة، بينما كان هو سجينا لفترة محدودة بتهمة حيازة منشورات لمصلحة الحزب الشيوعي الذي كان أحد كوادره.

يلفت النظر استخدام صدقي لمصطلح (حرب العصابات) ليؤشر إلى ما فعله الرجلان، أو ليعبر بلغته عما وصفاه له من نشاطهما، ورغم أن مفهوم العصابة كما انتشر في فلسطين مختلف في الدلالة اللغوية عن المفهوم الأيديولوجي الذي صاغه صدقي،  إلا إنه فسر ما فعلاه ماركسيا، ليتوصل إلى أن حربهما حرب عصابات بالمفهوم الماركسي، لافتا إلى وجود جماعات كثيرة منتشرة في البلاد كظاهرة عامة، مقدما في سطر واحد تحليلا طبقيا لمسار التمرد الذي يشكل الرجلين جزءا منه والذي شهدنا كيف تحول إلى ثورة عارمة عمادها أشخاص يشبهون أبو جلدة والعرميط بعد ثلاث سنوات على اعدامهما، معمقا كلامه بالتذكير بمأساة الفلاحين المجردين من أرضهم، حيث يشير في مكان آخر من مذكراته إلى أن معتقلات كالمسكوبية وعتليت كانت تغص بالفلاحين العصاة.

هل كان أبو جلدة واحدا من هؤلاء أم انه كان مجرما فارا (كما تنقل روايات غير موثوقة) وأنه فر من السجن ثم أصبح ثائرا، أم أن هذه الجريمة أٍساسا، كانت في سياق التمرد على ظلم واضطهاد لحق بالرجل، لا نعرف حقا، ولا نعرف آلية التحول إذا كان هناك تحول، لكننا نعلم علم اليقين إن البلاد كانت في حالة هياج وغضب، عمقته السياسات الإنكليزية الاحتلالية، وتدفق المستعمرين الصهاينة والتآمر لنزع الأرض والسيطرة عليها وملاحقة المناضلين العنيفة والوحشية منذ ثورة البراق وما قبلها.

يروى أن أبو جلدة كان فراريا من الخدمة العسكرية في الجيش العثماني، ومن غير المعقول أن تصدق الروايات التي تقول أن ابنه هو المعني بمسألة الفرار، فعمر الرجل ساعة إعدامه كما تبوح الصورة، لا يتجاوز الخمسين، ما يعني انه كان شابا في مطلع العمر عند انهيار الدولة العثمانية ولعله كان مجندا مستجدا وفر حينها.

على العموم، يمكن أن نتعرف قصة أبو جلدة وصاحبه العرميط من ثلاث مصادر، الحكايات والأغاني الشعبية بما فيها الأدب الشعبي المرتبط بحكايتهما، المصدر الثاني ما جاءت به الصحف من أخبار أبو جلدة وبياناته التي كان يبثها وأخبار معاركه مع الجيش الإنكليزي، والمصدر الثالث هو ما اخترنا أن يكون نصا تفسيريا تأسيسيا، أعني مذكرات نجاتي صدقي.

ظهر أبو جلدة أدبيا في عدة مصادر، فنجده في حكايات الأدب الشعبي لشيخ الأدب الشعبي اللبناني سلام الراسي، في قصيدة بعنوان : كيف لنبي من فلسطين أن يُسلم، ويصفه بـ"نبي الأمة"،  ونجد قصته في كتاب ليس بالرواية ولا الوثيقة للشاعر هارون هاشم رشيد بل يقدمه كسيرة لبطلين شعبيين وحكاية من حكايات المقاومة بعنوان " أبو جلدة والعرميط ياما كسروا برانيط: حكاية حقيقية من بطولات المقاومة الشعبية الفلسطينية) وفي أماكن أخرى، في صحف فلسطين كالدفاع وفلسطين والجامعة الإسلامية ولبنان كالمقتطف و مصر كالمقطم وفرنسا وإنكلترا، وماعدا النصين المذكورين نجد سيرة أبو جلدة والعرموطي وقد أصابها التشويه الشديد، ودخلتها الرواية البريطانية بما فيها من افتراء على الرجلين وذم لهما وتشويه لأفعالهما، عادة المحتل الذي دأب على وصف الثوار بالأشقياء وقطاع الطرق، ومن الغريب كيف تتمكن هذه الاختلاقات من التسلل إلى المروى الشعبي بل والى كتابات أدبية يفترض أنها حصيفة ومدققة وأن تتبع نهجا يتسم بنزاهة علمية أو أخلاقية على أقل تقدير إن تعذر جمع الاثنين معا وقد اخترت أن أتجاهلها هنا.

نحاول هنا عموما إكساب قصة أبو جلدة والعرميط بعض التماسك، إن كان ذلك ممكنا، لحكاية تكاد تصبح خيالية أو شيئا من أسطورة، نريد إضاءة بعض التناقضات في القصة، في صياغاتها المتعددة، وصولا إلى تفكيك هذه التناقضات وتقديم صورة أكثر وضوحا تليق بالرجلين.

الصاحبان: محاولة تعريف

نعرف أن أحمد حمد الحمود، الشهير بأبو جلدة، فلاح من طمون، كان فارا من السلطة ومتخفيا في ميناء حيفا كعتال وهناك التقى بصديق العمر صالح أحمد مصطفى الشهير بالعرميط، فلاح بين بيتا، كان فارا لسبب نجهله قيل انه متعلق بمشاكل مع الدولة.

ترافق الرجلان ويبدو أنهما تحالفا على الخروج ثائرين في وجه الدولة، والأثرياء السماسرة المتعاونين معها، وذاع صيتهما في الثلاثينيات كمتزعمين لعصابة تقطع طريق المستوطنين والتجار والبوليس والجنود، وقد بذلت السلطة المحتلة جهودا كبيرة في مطاردتهما وشنت ضدهما حملة عسكرية ونفسية بالتوازي باذلة الجوائز لمن يدل عليهما أو يوقع بهما.

عن الخلفية الثورية للرجلين نكاد لا نعرف شيئا، ويرد اسم متعلم ومثقف محلي يدعى سليم العامري، كأحد الذين اكتسب منهم أبو جلدة وعيا ثوريا ما، ولكننا لا نعثر له على طريق أو ذكر في أي مصدر، وبحكم عمله في الميناء يبدو أن أبو جلدة وصاحبه استمعا إلى خطب الشيخ عز الدين القسام، في جامع الاستقلال، ومن الطبيعي عموما أن الرجلين عاشا وقائع ذلك الزمان وتأثرا بها من تنكيل بالفلاحين بالقمع والضرائب وتصاعد الهجرة اليهودية وتسليم مرج بن عامر على يد كبار الملاكين من الإقطاعيين العرب وكل هذه الأحداث وحالة الغليان التي كانت البلاد تعيشها منذ مطلع الثلاثينيات، صاغت وعي الفلاحين الثوري وقادت إلى ثورة 1936.

تأسست العصابة بزعامة أبو جلدة ونائبه وصديقه الأخلص العرميط نهاية الثلاثينيات، ربما 1928 أو 1929، متخذة من جبال طمون معقلا رئيسيا لها وشنت العصابة عددا كبيرا من الغرات على البوليس والجنود الإنكليز واستهدفت كذلك المتعاونين العرب مع الاحتلال وألحقت أضرارا بالغة خاصة بجماعة السماسرة في جنين الذين كانوا تحت حماية مستر طومسون رئيس الشرطة شخصيا.

اتبعت العصابة أسلوبا شبيها بعصابة الكف الأخضر التي نشطت في ذات الوقت تقريبا، متبعة أسلوب اضرب واهرب والتسلل والمباغتة والكمين، وإضافة إلى جهودها العسكرية والنفسية شنت السلطات على العصابة حربا استخبارية فدست جواسيس في صفوفها وأرسلت بعضهم لاغتيال أبو جلدة لعل اشهرها محاولة اغتياله على يد عميل بدوي للبوليس.

كان مسرح عمل العصابة كغيرها في تلك المناطق ممتدا من الغور والجفتلك وعقربا على خط مرج بن عامر وحيفا، وقد أطلق البريطانيون اسم (طريق الحرامية) على طريق حيفا مرج ابن عامر الذي اختاره أبو جلدة لأعماله مستغلا كهوف المنطقة وجبالها. وقد ضمت العصابة إلى أبو جلدة والعرميط والبيروتي، صادق أبو حيط من بيت فوريك، وفريد العسعس من المزرعة الشرقية وهو عرف لاحقا كعضو بارز في عصابة الكف الأسود القسامية التي تزعمها سرور برهم، وسعود لعمير من حوارة وسعيد الحاج من قرية أبو فلاح، وتركي عديلي من أوصرين وإبراهيم الاشرم من عصيرة القبلية وداود حماد وفواز أبو هواش من عقربا.

وعلى عكس أحلام البريطانيين وخططهم حازت العصابة على احتضان الفلاحين ورعايتهم بل وصل الأمر إلى جعل (الملك) لقبا لأبو جلدة فصار يعرف به، ولعل توفر هذه الحاضنة الشعبية هي ما سمح بامتداد تجربتهم زمنيا من جهة وهي ما ينفي أيضا الجذور الإجرامية المزعومة لأبو جلدة.

وقد اضطرت الحكومة إلى زيادة عدد الدوريات وفتح مخافر إضافية لملاحقة العصابة فوضعت مخفرا في منزل شقيق عبد الله البيروتي أبو الحلاوة وكان عضوا في عصابة الملك فترة من الزمن ولعله أسس عصابة مستقلة لاحقا حيث كان أحد أبطال ثورة 1936.

الثائر والمختار والحاكم

حكايات ومآثر

في قصة متداولة يرسم أبو جلدة حدود تمرده ويموضع نفسه في حيز أخلاقي معين، في حكاية نوردها باختصار لأهميتها الدلالية:

قيل أن رجلا صاحب أرزاق كبيرة، أوصى ولده ووريثه الوحيد أن يكون من الإرث مائة جنيه تمنح لأي شخص (خريب ذمة) بمعنى شقي ومن الممكن أن يقال الناس لأجل المال، فلما مات العجوز تحير الفتى في أمره حتى دله بعضهم على أبو جلدة، كرجل تنطبق عليه المواصفات، فركب فرسه وصعد جبال طمون مارا عن حواجز وكمائن العصابة حتى وصل إلى مغارة الملك أعلى القمة، ورأي مشهدا مؤثرا على باب المغارة، حيث امرأة حسناء ترجو الحارس أن يسمح لها بالدخول إلى المغارة والحارس يذهب ويعود ويقول إن الزعيم لم يسمح، وهي تريد إهداءه خروفا لينتقم لها من أشخاص ظلموها فلما ألحت قال لها الحارس إن الملك يقول إن طلبك مجاب ولكن بدون ثمن، فانا لست حافظ باشا، يقصد حاكم جنين في العهد العثماني وهو رجل معروف بظلمه وفساده وانه لم يكن يقضي حوائج الناس بدون رشوة.  فلما أصرت رفض قطعيا على وعد استرجاع حقها، وكان أبو جلدة رفض دخولها المغارة حفظا لسمعتها.  وتقدم الفتى على حصانه الأصيل وطلب مقابلة الملك، وإصر على اللقاء شخصيا فلما قابله سلمه المال وقال له إنها وصية والده فرد أبو جلدة انه لا يعرف أباه ولا يرى سببا للمال وأصر عليه أن يتكلم فأباح له بالقصة كلها فغضب أبو جلدة وقال للفتى إن كنت تريد "خريب ذمة" فأعط المال لمختار قريتك، فقال الفتى إن مختارهم مات فأمره أن يعطي المال لمختار القرية المجاورة، فذهب الفتى إلى المختار وقال له إن أبي أوصى لك بالمال، فأخذه المختار إلى الجامع وأمره أن يتوضأ وأن يقسم على القرآن قائلا له: كان هناك وحدة حال بيني وبين أبيك ولاشك إنه أوصى لي بمبلغ أكبر بكثير لكنك اختلسته!

في هذه القصة يظهر أبو جلدة كمتمرد على الفساد الخارجي والداخلي وواعيا للواقع ويضع نفسه على مسافة من هذا الفساد وفي صف الناس المسحوقين.

ومما يروى عن (صاحب البارودة اللي تخاوي الطيارة) إنه قبض ذات يوم على محصل ضرائب بريطاني فنزع عنه ملابسه واستولى على الأموال التي معه وحمله رسالة إلى ملك بريطانيا "الملك أبو جلدة أخذ حصته من الضرائب".

وقد تعاقب على مطاردته عدد كبير من ضباط الاحتلال البريطاني بما فيهم مستر سبايس  مدير الأمن العام بنفسه، وكذلك ضباط فلسطينيون من الدرك النظامي أبرزهم خير الدين بيك بسيسو وشارك في مطاردته أيضا مجرمون من عملاء السلطة مثل أبو دولة وذلك نتيجة لاتساع عملياته العسكرية حتى أجبر القوات البريطانية على استعمال الطائرات عدة مرات في المسح والمطاردة، ونشرت المقطم المصرية إن "أبو جلدة ثائر على البريطانيين ومحاصر في جبال نابلس مطوق بقوات بريطانية كبيرة وبالدبابات والطائرات ولكنها لم تقو على أسره وعلم إنه فتك مؤخرا بعدد من الجنود البريطانيين".

وكتبت عنه جريدة "لو" الفرنسية: "تجاوزت شهرة أبو جلدة حدود ما أحرزه مفتي فلسطين الأكبر، وأصبح معروفا أكثر من السيد جامسون مدير الهجرة والجوازات، وأبو جلدة شبيه بلصوص كورسيكا، في استعصاء القبض عليهم وتجنبهم إراقة الدماء، وإزعاج الآمنين"، وكتب عنه: "كان هذا الرجل عنوانا لفشل الحكومة وسقوط هيبتها واعتبارها بين الأهالي فإذا قامت يوما لتشتيت مظاهرة سلمية أو فض اجتماع وطني وقف أعداؤها ليعيروها بقولهم: اتشطري على أبو جلدة". و"جاؤوه يوما بعشرة كلاب مدربة من سكوتلانديارد ثمن الواحد منها ألف جنيه وأجرته في الشهر خمسون جنيها، وذهبت "تتشمم" عليه وتهاجمه فقتل أكثرها وغرمت حكومة الانتداب ثمنها لدائرة الأمن العام في لندن".

ويذكر خالد عايد إن حكاية أبو جلدة  حكايته فرضت نفسها على رؤية جمال الحسيني السياسية، ثم مذكرة أكرم زعيتر إلى المندوب السامي على سلبية ما قاله فيه وتقصيره في فهم الابعاد الكاملة لتمرد أبو جلدة،. واحتلت أخباره صدر الصفحات الأولى في صحف فلسطين، إلى جانب أخبار وفاة موسى كاظم الحسيني والأمير فيصل. ونشرت إحدى الصحف ملحقاً خاصاً بصور "الملك" أبو جلدة ورفيقه العرميط. وتخلّد ذكره في الأغاني الشعبية

ويقول أبو جلدة لأبو العرميط

وِحْنا وِنْ متنا ويكفانا الصيتِ

ويقول أبو جلدة خويا يا صالح

تضرب لا تخطي والعمر رايح

فلم يكن أبو جلده متمردا عاديا وابن جبال فقط، بل كان داعيا ثوريا أصيلا أيضا أجاد صياغة جملته الثورية وعرف كيف يوصل رسالته إلى الناس ومن مرويات الناس عنه أن سرية أبو جلدة، وصلت في زيارة لكفر مالك لدعوة الشباب للانضمام إلى الثورة والتف الناس حول أبو جلدة الذي أنشد فيهم:

شدوا حيلكم يا ناس/ الكسل مافيه خواص

نحمي الوطن بالرصاص / أحسن يوخذوه الكفار

وتحيا بلادك سورية / أهل الهمة العالي

أخذوكي سبية/ الفرنساوي والمختار

رجالك فلسطين/ للحرب مستعدين

وهي طويلة، وفي صيف 1933 نشرت له الجامعة الاسلامية التي كانت تنشر أخباره دعوة عامة لمقاومة الاحتلال البريطاني وروي أنه صاحب شعار رمي الإنكليز في البحر.

اعتقاله:

ثمة روايتين متداولتين ومتضاربتين حول اعتقال أبو جلدة والعرميط/ تفيد الأولى أنهما حوصرا في مغارة بدسيسة من عضو عصابة سابق واستحضر خال العرميط لإقناعهما بالخروج وهي رواية تستند إلى ادعاء محاولة الإنكليز اجتذاب العرميط للإيقاع بأبو جلدة، ونستبعد صحتها بسبب قوة مصدر الرواية الثانية المستندة كما ذكرنا إلى نص نجاتي صدقي، وهي أن العصابة قتلت يوم 22 أيار عام 1933 ضابطا إنكليزيا بارزا وضيق الخناق على العصابة، واعتقل العرميط بوشاية وفر أبو جلدة إلى الأردن حيث استجار بالملك عبد الله الذي سرعان ما سلمه إلى السلطات الإنكليزية التي نقلته إلى سجن المسكوبية في القدس حيث حوكم واعدم مع رفيقه.

ويرجح لدي أن قصة العرميط مع الإنكليز قد سربها عملاءهم إلى الرواية الشعبية أو أنها أضيفت لاحقا لمزيد من الإثارة في القصة الأصلية رغم أن هذه القصة المدسوسة نفسها تتحدث عن مخاتلة العرميط وخداعه للإنكليز.

الأرجح أن محمود أبو حبرون عضو العصابة السابق هو من أوقع بالعرميط، ويقال انه فعل ذلك تحت التعذيب ما ينفيه أمرين: أن نجاتي صدقي يذكر بوضوح أن العرميط طلب من أمه أثناء زيارته وضع خنجر في قبره لينتقم ممن خانه حيث يقول صدقي" أم العرميط قامت بزيارته في السجن فقال لها من خلف القضبان: حطيلي في قبري خنجر بدي أصفي حسابي مع الواشي"، والأمر الثاني أن من الثابت أن الأهالي لحقوا بالحبرون وفتكوا به عقابا على جريمته. ويذكر أن من ساعد الحبرون في المكيدة ثلاثة أشخاص هم يوسف السكني وجبر أحمد ومحمد اليوسف.

 ثمة تضارب في تاريخ إعدام المجاهدين حيث يذكر نجاتي صدقي إن ذلك تم في عام 1932 وهذا يتضارب مع تواريخ ذكرها صدقي نفسه مما يرجح لدي أن هناك خطأ في التاريخ، والأرجح هو ما ثبته خير الدين أبو الجبين في مذكراته، وكما يشير خالد عايد ومصادر أخرى أيضا أن الإعدام جرى في آب 1934 في سجن الكشلة –المسكوبية في القدس.

عموما يروي صدقي أن العرميط اقتيد إلى المشنقة أولا، وها هي أمه المرحومة مسعودة العفانة ترثيه وتهجو من أسلمه،  وتقول:

هي يا صالح يا جماعة وش تقولوا فيه

هذا صالح ذهب يوسفي يتعنقر فيه

ريت اللي راح للدولة ويدري فيه

يفضح حريمه وكل الناس تدري بيه

 وبعده بساعة جاؤوا لأخذ أبو جلدة الذي ودع الناس بالقول "بخاطركم شباب الدنيا فانية" بعد أن أوصاهم بفلسطين خيرا وألا يفرطوا بها، وسار أبو جلدة إلى منصة الإعدام بين صفين من الجنود وهم يهتفون " هيب.. هيب.. هيب.. هوراي". ويذكر صدقي أن مدير السجن مستر ستيل أو ستانلي، هو الذي كان يتولى تنفيذ الأحكام وكان يتقاضى خمس جنيهات عن كل إعدام إضافة إلى راتبه.

وهكذا أسدل الستار على قصة الملك أبو جلدة وصاحبه العرميط، رفيق سلاحه وصديقه ورفيقه في الطريق إلى الموت، وفي هذه الحكاية البطولية يقال الكثير بعد.