في أيام الشموخ الفلسطيني، و قوة المقاومة و منظمة التحرير الفلسطينية، كان لانعقاد المجلس الوطني" البرلمان" وقعاً عالمياً، أكثر أهمية و اهتماماً من الكونغرس الأميركي و الكونفرنس السوفييتي ذاتهما، و ذلك لعدة أسباب أهمها احترام الفلسطينيين لأنفسهم و لوحدتهم الحقيقية و لقراراتهم و توصياتهم، و تلك الحيوية و الغيرة التي كانت لدى الغالبية الفصائلية و النقابية و الشعبية على ما يعرف بالثوابت، على الرغم من التجاوزات التي كانت تقوم بها القيادة المتنفذة للمنظمة بين الحين و الآخر.
مؤخراً في 10-11 كانون الثاني 2017 جرت اجتماعات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني " لدحش" حماس في أروقته، بعد إدراكها لتزايد فقدان مكانتها بين الفلسطينيين،و توافقت المصالح السلطوية على ذلك، و كأن المجلس كعكة خلقت للتقاسم الفصائلي، لا لتحقيق طموحات شعب ناضل كما لم يناضل مثيله في التاريخ. وهو ما عبر عنه موسى أبو مرزوق بقوله: إن اجتماعات اللجنة التحضيرية جرت ب"مسئولية وطنية لمواجهة كل التحديات ولتجديد الشرعيات من خلال المجلس الوطني الجديد"،
... عام 1948، قام الفلسطينيون لأول مرة بتشكيل مجلس وطني، وذلك في غزة بجهود الحاج أمين الحسيني و مجموعة من القيادات الوطنية، و قام المجلس بتشكيل "حكومة عموم فلسطين" التي ترأسها أحمد حلمي عبد الباقي و مثل فلسطين في الجامعة العربية .
ثم أعيد بقوة تجديد تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وعقد أول مؤتمر له في العاصمة الفلسطينية القدس عام 1964 ليعلن من هناك قيام منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة المناضل أحمد الشقيري، و عضوية خيرة و نخبة أبناء الشعب الفلسطيني و نقاباته و اتحاداته الوليدة، ومنذ تلك اللحظة سيكون المجلس هو النموذج الراقي الديمقراطي البرلماني العربي الوحيد، مما يعطيه قيمة و تميزاً، و جذب وسائل الإعلام العالمية للاهتمام به، كما كانت النازية الصهيونية تحاول جهدها كلما اقترب انعقاد المجلس عبر الوسطاء العرب و الدوليين للتخفيف من حدة قراراته إدراكاً منها لأهميته .
مع انطلاق الكفاح المسلح، صار للمجلس معنى عالمياً كبيراً، و مثل أوسع تشكيل وحدوي سياسي و نقابي و ثقافي تنوعي ، فشكل نموذجاً لا يستهان بتجربته.
و قد عُقدت مؤخرا ً جلسات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني برئاسة سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني، و هي عبارة عن دورة اجتماعات استمرت يومي 10-11 كانون الثاني 2017 في بيروت.
بدت جلسات التحضيرية عموماً كأي جلسات و اجتماعات تقوم بها الفصائل للحديث و العمل على تقاسم تركة تضحيات قرن فلسطيني كامل و شعب بأكمله، كما بدت مخصصة في جوهرها لتحقيق اختراق حماس تحديداً لهذا المجلس و الذي ستكون نتيجته الحتمية كارثة جديدة كسابقاته، فحماس تعتبر المجلس كما عبرت مراراً مجلساً وحدوياً ديموقراطياً لا يتناسب مع تطلعاتها السلطوية الخفية، و لنتذكر هنا الانتخابات التشريعية و مشاركتها فيها ثم سيطرتها الدموية الانقلابية على قطاع غزة و تقسيم فلسطين بين ضفة و قطاع، و تحقيق كارثة الانقسام بدعم إقليمي و دولي و مباركة إسرائيلية.
و قد اتفق المجتمعون على ضرورة عقد المجلس الوطني الفلسطيني، و أن يضم القوى الفلسطينية كافّة بناءً على إعلان القاهرة (2005) واتفاق المصالحة الموقع في العاصمة المصرية يوم 4/5/ 2011
بيان تحضيرية المجلس الوطني لا يختلف عن أي اجتماع مألوف للدبكة الفلسطينية ، و قد أكد على غلاء القدس و حيا الشهداء و الأسرى، و طالب بحكومة الوحدة الوطنية إياها، و أطلق الشعارات الجوفاء التي ملَّها الفلسطينيون ، فكان ككل بيانات الاجتماعات الخطابية الساذجة، و لم يأت بأي أمر جوهري قط، كما لم يمثل التصريح الحقيقي عن الأجواء و الموضوعات التي جرى التداول فيها خلال يومين، و التي كانت عملية تقاسم حصص بحتة.
فقد جاء في البيان: "حرصاً على حماية وتطوير الانجازات التي حققها نضالنا الوطني، وعلى صون الاعتراف الدولي بحقوقنا الوطنية الثابتة وإجماع العالم على رفض الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي والضم غير الشرعي لمدينة القدس، فقد أكدت اللجنة ضرورة تجسيد الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا.
ومن أجل تحقيق ذلك فقد اتفق المجتمعون على ضرورة عقد المجلس الوطني الفلسطيني، و يضم القوى الفلسطينية كافّة وفقاً لإعلان القاهرة (2005) واتفاق المصالحة الموقع في 4/5/2011 من خلال الانتخاب، حيثما أمكن، والتوافق حيث يتعذر إجراء الانتخابات". وهي كلمات لا تختلف عن التكرار الممجوج الذي سمعه الفلسطينيون لسنوات سابقة مرت.
كما قال البيان " وكمقدمة لإنهاء الانقسام يتفق المجتمعون على ضرورة تنفيذ اتفاقات وتفاهمات المصالحة كافّة بدءً بتشكيل حكومة وحدة وطنية تضطلع بممارسة صلاحياتها في جميع أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية بما فيها القدس وفقاً للقانون الأساسي، والقيام بسائر المهام الموكلة إليها بموجب اتفاقيات المصالحة، بما في ذلك توحيد المؤسسات واستكمال اعتمار قطاع غزة وحل مشكلاته والعمل الحثيث من أجل إجراء الانتخابات للرئاسة والمجلسين التشريعي والوطني.
ويدعو المجتمعون الأخ الرئيس أبو مازن إلى البدء فوراً بالمشاورات مع القوى السياسية كافّة من أجل التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية".
و... " وقفت اللجنة بخشوع أمام أرواح شهداء شعبنا الأماجد ووجهت تحيَّة إجلال واعتزاز لأسرى الحرية الصامدين في سجون الاحتلال، وتمنت الشفاء العاجل للجرحى.
كما وجهت التحية لجماهير شعبنا في الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات مؤكدةً ثقتها بأن النصر قادم لفلسطين".
الجمل المفيدة و الجديدة خلت من البيان الشكلي كلياً، أما القوى و الأطراف المشاركة فبدت متناسية للتجارب و الاجتماعات و التوافقات السابقة التي انقلبت عليها بعض القوى المشاركة ذاتها و تحديداً فتح و حماس، فالأولى ما زالت تتعامل مع مسألة " الوحدة الوطنية" و في ذهنها احتواء الكل ، و الثانية تتعامل مع الأمر ذاته لتحقيق اختراق للمؤسسات و من ثم الانقلاب عليها، لهذا غابت عن خطباء فتح " غدر حماس"، و غاب عن خطباء حماس حرمة فلسطين و القدس و كفر الاتفاقات، و طبعاً نسي الجميع أوسلو و استحقاقاته التي تطال تركيبة و خطاب و قرارات المجلس ذاته بما فيها احتقار و تعديل الميثاق الوطني الشهير.
و غاب عن التحضيرية مثلاً تحديد الثوابت السياسية، و تطوير الحالة النضالية، المطالبة بنقاش أخطاء الماضي و تجاوزها، خطة أو فعل ما من أجل الأسرى لا تأليف أغنية عاطفية لهم، انقاد أوضاع الناس في غزة و مخيمات سوريا و لبنان، إعادة الاعتبار للخطاب و الثقافة و دعم الفكر و الإبداع الفلسطيني، تطوير المؤسسات و العمل على إشاعة الحرية و الديمقراطية، تطوير النظام الانتخابي و عصرنته، حق العودة و مستقبل اللاجئين، و عن علاقة المجلس بهموم الشعب و تطلعاته، و علاقته بالمركزي و اللجنة التنفيذية و مؤسسة الرئاسة ...
لهذا بدت تحضيرية المجلس كأنها تبحث في كيفية إنشاء مجلس إدارة جديد لشركة موسعة و ضم أعضاء لمجلس الإدارة، دون المساس بسياسة الشركة السائدة.
لقد أبقى المجلس بالتالي من خلال لجنته التحضيرية على كل ماكينة التخلف و التسيب و هاهي سلطة حماس الأوسلوية، بمجرد انتهاء مشاركتها في التحضيرية تطلق النار على متظاهري مخيم جباليا و تعتقل العشرات منهم، و هو أول إنجاز غطائي لها بعيد عقد التحضيرية، فما الذي سيفضي إليه تقاسم المجلس ثم المنظمة سوى تحقيق انقسامات و اختراقات خارجية برائحة جديدة، هذا يفسر لا مبالاة الفلسطينيين عموماً بما جرى.

