تم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد ترامب في احتفال كبير صاخب في واشنطن تخلل هذا الاحتفال للرئيس رقم 45 للولايات المتحدة إلقاء الخطاب الرئاسي الأول كعادة الرؤساء الأمريكيين قبيل إقامتهم في البيت الأبيض، وقد طرح ترامب الخطوط العريضة لبرنامجه السياسي وهو في نفس الوقت برنامج الحزب الجمهوري الأمريكي الذي فاز في الانتخابات الأمريكية على هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي، وقد أوضح ترامب في الخطاب على العمل بممارسة أسلوب جديد للإدارة الأمريكية الجديدة التي أكثر موظفيها تشكل من الأمريكيين البيض كإشارة على نهاية مرحلة وصول السود من خلال الرئيس أوباما لأول مرة في التاريخ الأمريكي إلى مقعد الرئاسة الأمريكية.
الأسلوب الجديد الذي يريده ترامب يختلف عن أسلوب إدارة أوباما السابقة التي استمرت لمدة حكم فترتين، تراجعت فيها الهيمنة الأمريكية الكونية عما كانت عليه في السابق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية والتحاق الكثير من دولها بالاتحاد الأوروبي وكذلك ايضا بعد اختفاء حلف وارسو، وقد شهدت فترة حكم أوباما أيضا تصعيدا في الدور الروسي سواء في أوروبا من خلال الأزمة الأوكرانية، أو في في التدخل العسكري في الأزمة السورية مما يدلل على عودة الثنائية القطبية بعد غياب بفضل انتهاء الحرب الباردة. عكس خطاب ترامب على الرغم من قصره وجه أمريكا الحقيقي أمريكا الإمبريالية المعادية لتطلعات الشعوب النامية، أمريكا المعادية لحركات التحرر والداعية إلى حجز التقدم التكنولوجي عن بلدان العالم الثالث للخروج من سطوة الحضارة البرجوازية الاستهلاكية، أمريكا الطامحة في التفرد في السيطرة الكونية على السياسة الدولية. أمريكا العنصرية البيضاء المعادية للأعراق والأديان متوعدا في خطابه على القضاء على التطرف الإسلامي وكأن هذا العالم المضطرب لا يوجد به من أشكال التطرف الديني سوى داعش وغيرها من الجماعات والتنظيمات الإسلامية أما الكيان الصهيوني فهو في الرؤية الترامبية الأمريكية الجديدة حمامة السلام في المنطقة، الذي يحارب الإرهاب، لذلك سوف يعمل الرئيس الجديد ترامب على الرغم من تجاهله في الخطاب لموضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سيعمل على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة كما صرح أحد مستشاريه المقربين، وذلك تحقيقا لوعده الذي قطعه للجالية اليهودية الأمريكية لكسب الأصوات اليهودية، وقد يشجعه على ذلك انشغال النظام العربي الرسمي بالصراع في المنطقة حيث سيكون الرد العربي كما يتوقع، باردا لا يتناسب مع خطورة هذا الحدث.
جاء الخطاب مكتظا بعبارات غير معهودة للرؤساء الأمريكيين فقد تحدث عن الوطنية الأمريكية وعن الشعوبية والقومية وبذلك أكد في خطابه على أن انتخابه الذي لم يكن متوقعا عند الكثيرين من المراقبين السياسيين كان نتاجا للنزعة العنصرية اليمينية التي تجتاح هذا الغرب الرأسمالي والعالم وبذلك سوف تتلاقى سياساته مع السياسات العنصرية اليمينية الإسرائيلية خاصة في موضوع تكثيف حملة الاستيطان الجارية على قدم وساق وهذا هو خطورة ترامب على القضية الفلسطينية حيث سيشجع ما يريده الكيان الصهيوني في استمرار عملية نهب الأراضي بهدف التخلص من قيام الدولة الفلسطينية عبر مشاريع التصفية البعيدة عن مشروع حل الدولتين.
هكذا هو الرئيس الجديد دونالد ترامب قطب العقارات الكبير اليميني العنصري الذي هو امتداد لجورج بوش الأب والابن في اعتقادهم الديني المسيحي الموالي للرؤية اليهودية التوراتية يعكس تماما وبوضوح منذ اليوم الأول وجه أمريكا الحقيقي الأبيض العنصري فهو يتوعد العالم بهيمنة أمريكية قاسية بكل أشكالها. هيمنة غير مسبوقة لا مراعاة فيها حتى على مشاعر الحلفاء الأوروبيين ولا حتى على تبعية الاصدقاء من العرب الخليجيين الذي يطالبهم بدفع أموالهم النفطية الكبيرة للخزينة الأمريكية حتى تتخلص من الضائقة المالية وهي المتفاقمة التي تعاني منها منذ مدة طويلة وذلك في مقابل حمايتهم من غول رياح التغيير وهي توجهات حفل بها خطاب غامض لسياسات مقلقة على مستقبل المنطقة والعالم.

