النكتة السياسية معروفة في معظم المجتمعات. والمقصود بها النكتة ذات الطابع الشعبي التي يرويها الناس لبعضهم البعض، وليست السخرية السياسية التي تُمثَّل لونا من ألوان الكتابة النقدية الت تتسم بالإبداع حين يكون مضمونها غنيا وأسلوبها جميلا ومحترما. وتُعد هذه النكتة لونا من ألوان الفكاهة كونها تدفع الى الضحك الذى اعتبره الفيلسوف الألماني نيتشة أحد أهم ما يميز الإنسان على غيره من الكائنات التي لا تضحك رغم أنها تُصدر أصواتاً مختلفة. ولذلك انتشرت الكوميديا في الفن بعد أن كانت التراجيديا المفزعة، التي يساق الإنسان فيها إلى قدره وحتفه ويتفوق الموت على الحياة، سائدة في العصر الإغريقي. ورغم ندرة الأبحاث في مجال النكتة السياسية، فالقليل الذى نعرفه منها يفيد أنها تمر بدورات صعود وهبوط، فتزداد في بعض الفترات وتقل في غيرها. ولكن من الصعب الاتفاق على دلالة انتشار النكتة السياسية أو ضمورها فيما يتعلق بحالة المجتمع. كان هناك اجتهاد تقليدي يرى أن النكتة السياسية تُمثَّل تعويضاً يلجأ إليه الناس في حالة غياب وسائل التعبير الحر، واشتداد القيود على حريتهم فى إبداء آرائهم. ولذلك فهى تُمثَّل بهذا المعنى تنفيساً للاحتقان أو تفريغاً لتوتر سياسي، الأمر الذى يقلل احتمال حدوث احتجاجات أو اضطرابات وفقا لهذا الاجتهاد.
وكان هناك اجتهاد آخر ذهب إلى أن النكتة السياسية يمكن أن تكون مؤشراً في بعض الحالات إلى غضب مجتمعي، وأن انتشارها قد يُنذر فى هذه الحالات بحدوث احتجاجات إذا توافرت عواملها الموضوعية.
غير أن ثورة الاتصالات تجاوزت مثل هذه الاجتهادات، لأن النكتة السياسية تنتشر الآن عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تنقلها بسرعة تفوق الريح، بعد أن كان الناس يتناقلونها على مدى فترة طويلة سواء همساً أو بصوت مرتفع. كما أدى هذا التحول إلى اختلاط النكتة السياسية بتعليقات تتسم بالطرافة أو خفة الدم أحياناً وتلقى انتشاراً واسعاً، ولكنها لا تلبث أن تختفى ويظهر غيرها بسبب سرعة اتباع مواقع التواصل الاجتماعي.
ولذلك ربما يجوز الحديث عن صورة جديدة للنكتة السياسية التي تظهر وتختفى بسرعة شديدة، وتصبح والحال هكذا عابرة، بعد أن كان الناس يتناقلونها من شخص إلى آخر على مدى فترة طويلة.

