Menu

عيد الأم بلا أمومة

qoa42463

العراق.. د. حكيم العبّادي عن فيسبوك

أثار انتباهي - أمس - منشورٌ جميل لأحد الأصدقاء الرائعين يقول فيه: ((المبالغة مذمومة إلاّ في حب الأم، فكل أم هي أجمل الأمهات))، هذا المنشور الرائع يغمزُ من طرفٍ ذكي جداً هذا الكم الهائل من الحنان، والبِـر، والطهر الذي اجتاح الفيسبوك طيلة يوم الثلاثاء 21 آذار، حتى ليخالُ الإنسان أن الدنيا قد تغيرت فجأة، وهربت منها شياطينها، وصارت موطناً للملائكة والصالحين!.

عيد الأم مفهوماً:

يومَ أمس: تحولت جميع الصور الشخصية، وصور العاهرات والسيقان، وصور أسياخ الشاورما، والحَمامُ المؤمن الخَطّاط الذي يكتب إسم الله بحبات الحنطة، وفيديوهات الشيوخ والملالي، ومنشورات شتم الآخرين، والنكات الفجة، والشعر السخيف، أو المسروق، والفتاوى التي تُحَـرِّض على الذبح والتكفير والسبي - قبل 21 آذار - تحولت جميعها فجأة، وبقدرة قادرٍ إلى صور للأمهات، ودعوات لهن، وعرضٍ مجانيٍّ زائفٍ للنبل والبِرِّ والطهر!.. مع جل تقديري للصادقين منهم، ممن كان عاجز عن فعلِ شيءٍ آخر لضيق ذات يده، أو نشر صورة والدته متمماً ما تستحقه هذه المناسبة من أفعال!.

قبل أن تشتموني يجب أن تفهموا ماهية عيد الأم، وغايته، و أبعاده!.

عيد الأم ليس للاحتفالات الشخصية بالأمهات. وليس يوماً للاحتفال بفرادى النساء، أكُـنَّ أمهاتٍ أم لا!. ولا لممارسة أنانيتنا البغيضة بالتظاهر، عن طريق إرسال بطاقات الإدعاء والزيف والكذب لأصدقائنا على صفحات الفيسبوك، وانتظار إشارات الإعجاب التي كلما زادت زاد رضانا عن أنفسنا وعن أمهاتنا!.

عيد الأم هو عيدٌ للأمومة أولاً، هذه الرابطة المقدسة التي تسمو على جميع الروابط الأخرى، قبل أن تستعبدها، وتعلوها قوة الأب الذكر!. وللشعور بمدى الظلم الذي يتعرضُ له هذا الكائن المُضَحِّي النبيل، من قبل العقليات الذكورية المتسلطة، خصوصاً في المجتمعات العشائرية بالغة التخلف!.

هذا اليوم للتذكير بقيمة الأمومة، وبتأثيرها الاجتماعي، وأهميتها في تغيير قيم المجتمعات الإنسانية التي فقدت إحساسها بكل شيءٍ، إلاّ بأنانيتها!.

هذا اليوم ليس احتفالاً شخصياً بأمهاتنا!. فلأمهاتكم عيد ميلاد تستطيعون الاحتفال به إن كنتم صادقين!. ولهن جميع أيام السنة لتُـظهروا لهن حبكم وتفقدكم ورعايتكم!.

وما إرسال البطاقات لتهنئة الأمهات في هذا اليوم، إلاّ الوسيلة الأخيرة من وسائل الاحتفاء به!.

مصادرة عيد الأم:

تستغلُّ الكثير من شعوب العالم هذه المناسبة لرفع مستوى الأمهات الفقيرات، ومساعدة الأمهات العازبات، وتقديم العون للأرامل والمطلقات ممن رفضن الزواج للاهتمام بأطفالهن الصغار، وفي ابتكار كل ما من شأنه التخفيف من أعباء الأمهات. ولبعض الدول برامج ثقافية واجتماعية، وإنسانية ضخمة في هذا اليوم.

أما في عالمنا العربي فقد صادرناه لصالحنا. فصار عيد الأم إدعاءاً، وتقليداً فارغاً نمارسه للتعبير عن أنانيتنا وحبنا لذواتنا لا غير، أو هو بعض الشعور بالندم والاعتذار لتقصيرنا بحقهن. ولا شغلَ يشغلنا فيه إلا الصور واللايكات والمنشورات!.

وفي عالمنا الإسلامي صادر البعضُ عيدَ الأم لصالح ولادة بعض الرموز الدينية، كما تفعلُ إيران التي جعلت من يوم الـ20 من جمادى الآخرة عيداً للأم!. وفي هذا محاكاةٌ للجذور الوثنية ثم المسيحية لعيد الأم. حيث كان الاحتفال يجري إحتفاءاً بآلهة الأمومة (سيبيل) في الحضارة الإغريقية، ثم (هيلاريا) في الحضارة الرومانية.

أما في القرن السادس عشر الميلادي، فقد بدأ الاحتفال بأحد الأمومة في الدين المسيحي، والذي يوافق الأحد الرابع من الصوم الكبير. يجب الانتباه إلى أن الأم هنا لا تعني السيدة العذراء، والدة السيد المسيح - كما قد يتبادر إلى الذهن - بل تعني الكنيسة الأم، أي الكنيسة الرئيسية في المقاطعة، أو الكنيسة التي تعمَّـدَ فيها الشخص. حيث يعود المسيحي إلى كنيسته الأم في هذا اليوم ليحضر القداس فيها.

إذن نحنُ صادرنا عيد الأم لصالح أنانيتنا أفراداً، ولصالح رموزنا وطوائفاً .

الأمومة أقدس من أن تصادر، وعلينا أن نحتفل بها لذاتها لا لغيرها!.

كاذبٌ من نشر صورةً لأمه في يوم الأم ولم يَزُرها منذ سنة لأن زوجته المصون غير راضية عنها!.

كاذبٌ من نشرَ منشوراً عن عيد الأم، ولم يوفر لأمه دواءها منذ أشهر!.

كاذبةٌ من احتفلت بعيد الأم ولم تساعد أرملةً فقيرةً قريبةً منها في مدينتها بأية طريقة ممكنة!. شرط أن تقومَ بذلك دون صور ولا فيديوهات إعلانية!.

كاذبٌ من احتفل بعيد الأم ولم تخطر على باله معاناة أمهات المهجرين، والنازحين في سوريا والعراق!. ولم يفعل شيئاً ولو بسيطاً من أجلهم وبلا صور ولا دعاية إعلانية رخيصة!.

كاذبٌ ومنافقٌ ووضيعٌ من يؤمن بالفصلية، والنهوة، وتحريم دراسة الأنثى، والقتل غسلاً للعار، وزواج الأطفال، ويحتفلُ بعيد الأم!.

نعم. للاحتفال بعيد الأم. ونعم لوضع صور أمهاتنا. ونعم لتهنئتهن، ولكن، بعد أن نبتدئ بأساسيات هذا المفهوم، ونحققُ الغاية منه. عليكم أولاً بالأمهات المكافحات، والمعذبات، والمظلومات، والمعوزات، واللواتي يَـعِـشْنَ في ظروف لا إنسانية قاسية. ساعدوهن بما تستطيعون مادياً ومعنوياً، ثم ليأتي دور الصور. حينها ستفرحُ أمهاتنا بنا، وسيرضين عنا، أحياءاً أو أمواتاً!.