Menu

من تاريخ التسوية السري

في ذكراها الثلاثين: اتفاقية لندن السرية وظروف فشلها

436500

بوابة الهدف/ متابعة خاصة

بحلول يوم 11 نيسان الجاري، يكون قد مر ثلاثون عاما على اتفاقية سرية لم تحظ بالكثير من الاهتمام، بسبب فشلها من جهة وبسبب وقوع أحداث غيرت اللوحة السياسية بالكامل وجعلتها طي النسيان.

الحديث يدور عن اتفاقية لندن التي أبرمها الملك الأردني الراحل الحسين، مع وزير خارجية العدو وزعيم حزب العمل الصهيوني في حينه شمعون بيريس يوم 11 نيسان عام 1987.

استضاف اللورد فيكتور مشكون من حزب العمل البريطاني الرجلين في بيته في لندن بحضور رئيس وزراء الأردن آنذاك زيد الرفاعي ومدير عام وزارة الخارجية الصهيونية يوسي بيلين.

الاتفاقية التي فشلت بسبب اندلاع نزاع أيدلوجي –سياسي بين رئيس الوزراء الصهيوني يومها زعيم حزب الليكود اسحق شامير ووزير خارجيته، كونها نصت إعادة الضفة الغربية للإدارة الأردنية ما وجد فيه الليكود خرقا خطيرا لتمركزه الأيدلوجي باعتبار الضفة جزءا من الأرض الموعودة وملكا خاصا لـ "الشعب اليهودي" ولو مضت الاتفاقية في طريقها كانت ستعمل على تشكيل إطار تمهيدي للدعوة لمؤتمر دولي استنادا لقراري مجلس الأمن 338و242، بهدف التوصل لإلى حل للصراع، حيث نصت على تمثيل الأردن لمصالح الشعب الفلسطيني في المؤتمر واستبعاد منظمة التحرير الفلسطينية.

الوقائع التي تلت الاتفاقية الموؤودة صارت جزءا من التاريخ حيث اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى بعدها بثمانية أشهر، ثم تلا ذلك عام 1988 إعلان الملك لفك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية وقد قيل وقتها أن الملك استجاب لضغوط منظمة التحرير ودول عربية بهذا الشأن، إلا إن هذا وإن كان صحيحا من حيث الشكل إلا أن فك الارتباط في جوهره لم يكن سوى طعنة في الظهر وجهها النظام الأردني للانتفاضة بهدف التضييق الاقتصادي على الشعب الفلسطيني وإخماد الانتفاضة.

بمناسبة الثلاثين عاما على اتفاقية لندن أفردت صحيفة معاريف الصهيونية تقريرا خاصا خاض في تفاصيل الاتفاقية وخفاياها والجهود التي بذلها كل من الطرفين للحفاظ على سريتها.

 فيما يلي تلخيص للتقرير الذي نشرته معاريف مستندين إلى ترجمة مركز (إدراك للدراسات والاستشارات).

                               

في 10 من نيسان/أبريل سنة 1987، انطلقت سيارة أجرة صغيرة بسرعة فائقة من مطار هيثرو الدولي باتجاه العاصمة لندن.  كانت تحمل على متنها في رحلة فائقة السرية المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، يوسي بيلين. الذي كان متنكرا، أما سائق السيارة فكان مسؤولا كبيرا في الموساد هو أفرايم هاليفي الذي أصبح لاحقا رئيا للموساد (1998-2002)، عين بعدها سفيرا للكيان لدى الاتحاد الأوربي وهو يحمل الجنسية البريطانية. وكانت رئيسة وزراء بريطانية في حينه مارغريت تاتشر على علم بقدوم الرجلين.

شمعون بيريس وزير الخارجية ورئيس الوزراء في حكومة التناوب (مع إسحاق شامير من الليكود) كان وصل في اليوم نفسه على متن طائرة خاصة.  

على العموم، قدم كل من بيلين وبيريز للندن بغية مقابلة الحسين بن طلال ملك الأردن ورئيس الوزراء، زيد الرفاعي الذين وصلوا إلى بريطانيا بسرية تامة.

ستة لقاءات

اجتمعت الأطراف المعنية في منزل اللورد ميشكون بهدف إيجاد حل للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. في المقابل، فشل الرجال الأربعة في تحقيق مآربهم على الرغم من أنهم كانوا قريبين جدا من ذلك. ففي اليوم التالي، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق شامير باختراق العملية فور سماعه بما يدور خلف الكواليس.

تتساءل (معاريف) هل يمكن القول، بعد مرور 30 سنة، إن “فرصة لا تعوض” قد ضاعت، وفقا لما صرح به وزير الدفاع، افيغادور ليبرمان في مقابلة مع صحيفة معاريف في حزيران / يونيو سنة 2011. أم أن الغرض من هذا الاجتماع كان ضمان التزام الطرفين بما ورد في الاتفاقية التي عرفت فيما بعد باسم “اتفاقية لندن”؟ مع العلم أنه لم يتم التوقيع على هذه الاتفاقية من قبل أي شخص.

وفقا لوزير المالية، موشيه نسيم، فإن الشروط التي تضمنتها الوثيقة لم تكن قابلة للتطبيق. في المقابل، صرح عضو الليكود والرئيس الإسرائيلي الحالي، رؤوفين ريفلين، أن الاتفاقية كانت بمثابة “إنجاز عظيم لبيريز”. أما بالنسبة لبيريز نفسه، فقد آمن حتى آخر يوم في حياته بأن اتفاقية لندن كان بالإمكان أن ترى النور. وفي هذا الصدد، قال بيريز، خلال مقابلة له مع صحيفة “ميكور ريشون” في سنة 2014، إنه “لم يكن لدينا مشاكل مع يهودا والسامرة أو مع القدس ”.

قبل شهرين من هذه المقابلة (مع ميكور ريشون)، نشر بيريز على صفحته الخاصة على الفيسبوك، قائلا: “الزي التنكري ليس مخصصا فقط لعيد المساخر”. وأرفق منشوره بصورة قديمة له وهو يلبس شعرا مستعارا ونظارات شمسية. وعلق بيريز، قائلا أن “هذا الزي التنكري الذي ارتديته خلال فترة السبعينات عندما ذهبت لمقابلة ملك الأردن من أجل إبرام معاهدة السلام”.

كان بيريز في الواقع و الذي عُين في سنة 1984، رئيسا للوزراء في الحكومة الإسرائيلية،  قد التقى في العديد من المناسبات مع العاهل الأردني. في حقيقة الأمر، اجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بالملك الأردني للمرة الأولى بغية التباحث حول مناقشة مسألة ضم فلسطين كجزء من اتفاقية سلام شامل. وفي الأثناء، تفاعل الملك الأردني بشكل إيجابي مع هذا المقترح، حيث اعتبره أمرا “مثيرا للاهتمام”. وعقب هذا اللقاء، اجتمع الملك الأردني ببيريز ما لا يقل عن ستة مرات، وذلك وفقا لشهود عيان.

عرض لا يفوت

تتمحور الاتفاقية بالأساس حول سيطرة الأردن على الضفة الغربية مقابل تعزيز العلاقات بين إسرائيل والأردن. ونظرا لسرية الاتفاقية، أدركوا أن هذه المبادرة لا بد أن تكون برعاية مصدر خارجي ويفضل أن يكون الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك مثلما حدث خلال “حرب أكتوبر” عندما تدخلت كل من القوات البريطانية والفرنسية بين مصر وإسرائيل، حتى يظهروا للعالم أنهم قوات سلام.

وفي هذا السياق، أفاد كل من بيريز وبيلين، أنه “كان من الضروري أن تتم العملية تحت “مظلة دولية” تقوم بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة الطرفين(الأردن وإسرائيل) لتوقيع الاتفاقية بشكل علني. وبالتالي، سيتبادر لذهن الجميع أن هذه المبادرة دولية تقودها الولايات المتحدة وليست عملية سرية بين إسرائيل والأردن”.

 في المقابل، رفض حينها حزب الليكود بقيادة شامير فضلا عن أفرايم هليفي، هذه الفكرة، علما وأنه لم يعبر عن رأيه حول هذا الموضوع. وفي هذا الإطار، أقر بيلين، أن مشكلته مع الليكود كانت رفضهم للاتفاقية. وفي الأثناء، كان لهليفي جملة من التحفظات بشأن الاتفاقية، حيث صرح بعد مرور 30 سنة، أن “الحل الدولي لم يكن سيظهر إسرائيل كجانب متعاون وإيجابي بل على العكس”.

 في اليوم التالي، اجتمع المسؤولون في بيت اللورد البريطاني الفخم في لندن. ونظرا لسرية الاجتماع، أخلى ميشكون بيته من كل العاملين فيه. كان بيريز وبيلين أول الحاضرين، وبعد نصف ساعة حضر الملك حسين ورئيس وزرائه الرفاعي.

 أما بالنسبة لميشكون، فقد كان موقفه من القضية الفلسطينية واضحا، وهو ما يتجلى من خلال إرساله لبرقية شديدة اللهجة للحكومة الإسرائيلية بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، قال فيها، إن “ما حدث للأطفال والنساء الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا ما هو إلا عمل بربري ووحشي على يد قوات مسيحية بأوامر يهودية”. في الحقيقة، اقتصرت وظيفة ميشكون وزوجته على خدمة الضيوف والحرص على أن يشعروا بالراحة.

حظي الحدث بانتباه الكثيرين وكتب بخصوصه العديد من الأشخاص، حتى أنهم تطرقوا إلى تفاصيل العشاء الذي سبق الاجتماع، حيث قام بيريز والملك حسين بعد الانتهاء من المأدبة بالمساعدة في تنظيف الصحون وترتيب المكان.

وفي السياق ذاته، أشار  بيلين، إلى أنه لم يكن محبا للأردن بعكس بيريز. وأضاف بيلين، قائلا: “لم أكن أؤمن أن هذا الاجتماع سيكون كفيلا بتغيير الكثير من المعطيات. لقد كانت لدي تحفظاتي الخاصة بشأن الاتفاقية”. كما تطرقت وسائل الإعلام إلى العديد من الأحداث الثانوية التي وقعت آنذاك، على غرار اضطرار الملك حسين لحضور اجتماع آخر في لندن، وقد طلب من بيلين والرفاعي أن يكتبوا نص الاتفاقية بناء على ملاحظاته.

من جهته، طرح بيلين، السؤال التالي: “هل بإمكان الملك حسين بعد مضي 20 سنة على “حرب الستة أيام” أن يطمح في السيطرة على الضفة الغربية من جديد؟”

تقول (معاريف) إن الملك حسين لم يكن قادرا على الالتزام ببنود الاتفاقية، في حين آمن كل من بيريز وبيلين بإمكانية تحقيق ما جاء فيها على أرض الواقع. وفي هذا الصدد، أوضح بيلين، أنه “في وقت ما كنت ساذجا لدرجة أنني صدقت أن هذه الاتفاقية قد تنجح فعلا”.

 وحول موقف شامير يقول التقرير إنه لم يكن  متحمسا لفكرة عقد اتفاقية مع الأردن، على عكس موشيه نسيم الذي كانت تجمعه علاقة طيبة ببيريز.

وفي هذا السياق، أورد موشيه نسيم، أنه “بينما كنت أتحاور مع شامير حول مسائل عدة، قاطعنا بيريز قائلا إنه قد أبرم اتفاقية مع ملك الأردن”. وأضاف نسيم، قائلا: “لقد ظننت أن عقد اتفاق مع الأردن أمر جيد. ولكن بالنسبة لي فضلا عن أغلب اليمين، لم نكن متحمسين لفكرة إبرام اتفاقية دولية”.

 وفي الأثناء، قام بيريز بإرسال بيلين إلى فنلندا من أجل مقابلة وزير الخارجية الأمريكي، جورج شولتز، على أمل أن يتبنى شولتز الاتفاقية قبل أن يعارض شامير ذلك ويعرقل مجريات المفاوضات مع الأردن. في المقابل، نفى بيلين صحة هذا الادعاء، حيث أكد أن الخبر قد ترامى إلى مسامع شولتز بطريقة ما، وقد أبدى دعمه الواضح لهذه المبادرة.

 ونتيجة لذلك، وفور تأكده من موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، سارع بيريز للقاء الرئيس الأمريكي في مساء اليوم ذاته. والجدير بالذكر أن شامير لم يكن على علم بحقيقة الاجتماعات الأردنية الإسرائيلية، ولكنه تفطن إلى ذلك إثر مقابلة بيريز للرئيس الأمريكي. وقد كان ذلك تجاوزا واضحا لمركز شامير وأول أخطاء بيريز، مما  دفعه لتنحية بيريز من منصبه إثر الانتخابات التي أجريت بعد سنة ونصف، أي في سنة 1988.

وتنقل (معاريف) أن شامير اعتبر أن “شمعون بيريز قد تجرأ على إبرام اتفاقات شخصية وخاصة دون علمي. هذا التصرف مرفوض تماما. أعتقد أنه من الأفضل أن يتولى شخص آخر حقيبة الخارجية حتى نتفادى الكثير من المفاجآت في المستقبل”. وفي مساء 12 من نيسان/ أبريل سنة 1987، أدرك بيريز أن جميع المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء قد علموا بحقيقة الاتفاقية السرية في لندن. وقد كان ذلك خطأ بيريز الثاني، حيث أخفى الأمر عن شامير.

 من جانب آخر، أفاد موشيه آرنز، أن “شامير تعامل مع المسألة من منظوره الشخصي، فقد كان منذ البداية غير متحمس لمثل هذه الاتفاقية. وعلى الرغم من أن الاتفاقية لم تكن لتضمن السلام بين إسرائيل وفلسطين، إلا أن تهميشها وتعنت شامير وإصراره على رفضها يعتبر تصرفا غير مسؤول”.

اعتبرت (معاريف) أن  كل الأسباب التي ذكرت آنفا كان لها  دور رئيسي في إحباط مساعي بيريز وفشل اتفاقية لندن.

مشكلة شامير حسب نسيم  كانت أن يقوم وزير تحت إمرته  اجتماع سري دون علمه وموافقته أو حتى استشارته. ثم تكتشف بعد ذلك صدفة أن وزير خارجيته يحاول إقناع وزير الخارجية الأمريكي بمساعيه، على أن يقوم بدوره بعرض الاتفاقية عليه.    

بروز نتنياهو على الساحة السياسية في وقت مبكر

بعد أن تم الإعلان عن الاتفاقية، سرت موجة من الغضب العام، في حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب. ونتيجة لذلك، همشت اتفاقية لندن وتهاوت حتى قبل أن ترى النور.

من جهة أخرى، توقع الملك الأردني أن يقدم بيريز استقالته ولكنه لم يقم بذلك، مع العلم أن الاجتماع الذي عقد في بيت ميشكون في  نيسان / أبريل سنة 1987، كان اللقاء الأخير بين الملك حسين  وبيريز. في المقابل، وجه الأردن ضربة قاضية لمساعي بيريز، حيث أعلن الملك الأردني، في تموز/ يوليو سنة 1988، عن انسحاب بلاده التام وتخليه عن كل المسؤوليات القانونية والإدارية في الضفة الغربية.

إثر هذه الوقائع، تيقن كل من بيريز وبيلين أن الاتفاقية لن تطبق على أرض الواقع. خلافا لذلك، رأى البعض الآخر أن انسحاب الأردن من الضفة الغربية يعد بمثابة فرصة لتحسين صورة إسرائيل. ولعل أبرز الأطراف التي كانت تؤيد هذا الفكر، بنيامين نتنياهو الذي كان يشغل آنذاك منصب ممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة.

في واقع الأمر، اعتبر نتنياهو أن فشل اتفاقية لندن يعد أفضل دافع لإسرائيل للاستيلاء على أراضي الضفة الغربية وفرض سيطرتها المطلقة عليها.