الصور تتدفق أمام عيني، شهداء لم نعرفهم ضحوا من أجلنا، فيكاد الدمع يغلب على الحبر، وأنا أتأمل صورهم الحزينة وعيونهم التي تخاطبنا تطلب ثأرا قد يطول أوأضعف الإيمان أن يواروا الثرى بما يليق بتضحيتهم العظيمة.
أين دلال المغربي، وأين هبه ضراغمة بطلة عملية مجمع همعكيم في العفولة يوم 19 أيار عام 2003، أين هنادي جرادات فدائية مطعم مكسيم في حيفا يوم 4 تشرين أول عام 2003 وأين وفاء ادريس فدائية شارع يافا في القدس يوم 21 كانون ثاني عام 2002؟
وأين شهداء الدوريات؟ أين ماجد أبو دوش، وأين احمد مسالمة وأين أشرف الأسمر؟ أين إبراهيم عبد الهادي وأين إياد رماحة، وأين إسعيد أبو خوار واسلام قطيشات وجبر عطا وجميل حميد وحسين الشرباتي؟ أين سائر سعادة وسامر النوري؟ وهل نسينا المشهد المفزع لوالد الشهيد حافظ أبوزنط يقبل قحف ابنه الذي ظل محتجزا طيلة 35 عام؟
الصورة المتوافرة المتوافرة لعبد الفتاح موسى برهم داود الفدائي الشهيد على الحدود السورية الفلسطينية منذ عام 1969 قديمة بالأبيض والأسود، وتكاد تكون مهترئة ولكن تطل منها ملامح الشاب الوسيم بشاربيه الأنيقين وشعره المصفف وعيناه اللامعتان تسألاننا عما فعلناه من أجله، أين أنتم يا أهلي وربعي؟
ولد عبد الفتاح في حيفا عام النكبة وشرد طفلا مع أهله إلى سوريا ليعود فدائيا إلى فلسطين بعد 21 عاما ليستشهد على تخوم البلاد. أين عبد الفتاح برهم؟
صورة علي صالح عفانة أيضا بالأبيض والأسود من تلك التي تؤخذ في ستوديو من أجل وثيقة رسمية، لانعرف متى ولد ولكنه لم يتجاوز العشرين عندما استشهد في جبل قرنطل قرب أريحا عام 1968 وهو أصلا من عارورة قرب رام الله، الشاب الوسيم يسألنا عما فعلنا بجثمانه أيضا.
يوسف سلطان من حارس في سلفيت والذي استشهد عام 1967 في الأغوار قامة شامخة بالحطة والعقال رفع رأسه جيدا من أجل المصور واغتصب ابتسامة لم يكن يعرف أنها المرة الأخيرة.
أرقام وأرقام
تستطيع الحصول على أكثر من 321ألف نتيجة إذا كتبت عبارة "مقابر الأرقام" في محرك البحث، اسم رمزي لعار عدو قاتل وهمجي، اسم رمزي لألم في قلب الشعب الفلسطيني، ألم الفقد غير المكتمل وطلب استعادة بعض الجسد القتيل ليدفن بما يليق.
مقابر الارقام التي لن نكل من الكلام عنها والمطالبة باسترجاع سكانها المخطوفين قسرا، هي تسمية رمزية، لما يسميه العدو "مقابر ضحايا العدو"، مقابر سرية أنشأها العدو لدفن جثث الفدائيين، وضحايا الخطف والاخفاء والاغتيال، الذين يريد إخفاءهم.
لم يعن العدو كثيرا بأقل واجبات الإنسانية، دفن مناسب وتوثيق صحيح، بل تعمد الدفن بإهمال وبدون توثيق للجثامين، وتواريخ استشهادها وأصحابها، مكتفيا بوضع صفيحة حديدية داخل القبر أو فوقه، كتب عليها رقم مرتبط ليس بتسلسل منهجي بل بملف مجهول المحتويات في خزائن الجيش الصهيوني.
ورغم عمليات البحث المكثفة والمتابعة الحثيثة من أهالي الشهداء، ومن مؤسسات فلسطينية ودولية، إلا أنه لم يتم توثيق وجود سوى أربع من هذه المقابر، وتم بدون جزم تحديد عدد الشهداء فيها والتوصل إلى معلومات أقل القليل.
مقبرة جسر بنات يعقوب، لعلها الأكبر، حيث دفن فيها العدو على عجل ضحايا الاجتياح الاول عام 1978، ثم اضيف اليهم ضحايا 1982 من مقاتلين فلسطينيين ومدنيين أبرياء ويقدر العدد بـ 500 جثمان.
ثم هناك مقبرة غور الأردن في المنطقة الواقعة بين أريحا وجسر دامية ويقدر أنها تحتوي على 100 جثمان، ومقبرة رفيديم وهي أيضا في الغور وتقع بين جبل أربيل وبحيرة طبرية، ومقبرة شحيطة قرب وادي الحمام شمال طبرية وتحتوي على أكثر من خمسين جثمانا..
ورغم وجود تقديرات تفيد بوجود 349 جثمانا، منها 41 مفقود وفدائيين مغربيين و306 من المقاومة الفلسطينية.
لاخفاء جثث الضحايا تاريخ طويل في مختلف أنحاء العالم حيث تحدث الاضطرابات العرقية أو التصفيات السياسية، شهدنا هذا في جنوب أفريقيا وفي الباراغواي والسلفادور وتشيلي وغيرها ولكن الكيان الصهيوني ودولته المجرمة هو الوحيد يمارس هذه الجريمة بقرار سياسي على مستوى الدولة وبمنهجية محددة الأهداف والمعالم. تهدف إلى معاقبة شعب كامل وأهالي الشهداء عبر حرمانهم من دفن أبنائهم بشكل لائق وحسب التقاليد المتبعة وإهانة قيمهم الدينية وفي نفس الوقت توجيه انذار بالمصير المحتوم لمقاومين محتملين في عمل انتقامي شائن يليق بعصابة من القتلة.
ويرجح أن أول عملية دفن جماعي كانت عام 1948، ثم تحولت إلى منهجية بعد 1967، بإشراف وزارة الحرب الصهيونية.
ومن المؤكد أن عدد الجثامين المخفية أكبر بكثير مما يتم الاعلان عنه حيث يتم سنويا اكتشاف مقابر جديدة في مناطق المعارك، وقصة القبر الجماعي في إيلات للجنود المصريين منذ عام 1956 قصة مشهورة. وبالتالي لايمكن بالفعل تحديد عدد الجثامين المختطفة ارتباطا بآلاف المفقودين الفلسطينيين الذين اختفوا بعد الأسر والخطف وفي المعارك والدوريات القتالية.
ولاتملك مؤسسة رعاية أسر الشهداء سوى 108 ملفات معروفة وموثقة تماما ومعروف تاريخ استشهادهم رغم أن دولة العدو تدعي أن الجثامين لأشخاص مجهولين غير معروف أصلهم.
وحسب سجلات مركز القدس يقدر العدد بـ 2062 جثمانا أضيف إليهم 13 شهيدا بعد العدوان على غزة، إلى جانب 80 مفقودا، مع العلم أن بعض الجثامين محتجزة منذ ستينيات القرن الماضي. بينما تعترف دولة العدو بـ 132 جثمانا فقط.
واضافة لما ذكر أعلاه فإن العدو يستخدم هذا الاسلوب لإخفاء آثار جرائمه باعدام الاسرى واستخدام أعضاء الشهداء كقطع غيار لجنوده ناهيك عن كونها تحولت إلى تجارة اجرامية عبر الشركات التي يتعاقد معها الجيش الصهيوني للقيام بعمليات الدفن.
جريمة ضد الإنسانية
ما ترتكبه دولة الاحتلال جريمة موصوفة ومدانة بجميع القوانين الدولية والأخلاقية والدينية، فالمادة 17 من إتفاقية جنيف الأولى تقرر " يجب على أطراف النزاع ضمان دفن أو حفظ الجثث بصورة فردية بقدر ما تسمح به الظروف على أن يسبق ذلك فحص دقيق ..بغية التعرف على الهوية وتمكين إصدار تقرير ويجب التأكد من تكريم الموتى حسب تقاليدهم الدينية ما أمكن وأن تحترم قبورهم وأن تصنف حسب القوميات التي ينتمون إليها وأن يتم حفظها بصورة ملائمة وأن يجري تعليمها بحيث يمكن العثور عليها دائما"
وهناك نصوص شبيهة مماثلة مثل المادة 120 من اتفاقية جنيف الثالثة والمادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة.
كما ان اخفاء الجثامين هو انتهاك للإعلان العالمي للأمم المتحدة حول الإخفاء القسري الذي يعتبر جريمة ضد الإنسانية ومدان بوصفه إنكار لمقاصد الأمم المتحدة.
ولكن دولة الاحتلال الصهيوني تضرب عرض الحائط بهذه القوانين كما غيرها، زاجة جثامين الشهداء في مقابر عشوائية غير لائقة ولاتحترم أي معيار قانوني أو انساني أو ديني، حيث تدفن الجثث على عمق سطحي يجعلها عرضة للنبش وللحيوانات المفترسة وعوامل الطبيعة والإنجراف,
ومن المعروف أن مركز القدس للمساعدة القانونية أطلق منذ تسع سنوات حملة وطنية لاسترداد الجثامين، ويوم 16 آذار المنصرم نظرت المحكمة العليا في الكيان الصهيوني في ثلاث التماسات تقدمت بها الحملة الوطنية مع مركز القدس ومركز الميزان، وشملت على 116 ملتمسا من أقارب الشهداء منهم 106 في الضفة وعشرة في غزة، وقد اعترفت هيئة المحكمة أن توثيق عملية الدفن كان سيئا وأمهلت السلطات 4 أشهر لتحديد الجهة الأمنية التي ستركز على عملية إيجاد المدافن والتعرف على الجثث وأحالت سلطات الاحتلال الأمر إلى رئيس وزراء العدو لتحديد هذه الجهة.
وستنتهي المهلة في 16 تموز القادم دون كبير أمل في تحقيق أي تقدم بسبب مماطلة الإحتلال وعملية التلاعب الهائلة في هذا الملف.
دليل ذلك رفض المحكمة إصدار أمر للسلطات بأخذ عينات حمض نووي من الملتمسين لمطابقتها مع الجثامين معللة أنها الجلسة الولى لمناقشة الملف.
كما ادعت نيابة الإحتلال وجود صعوبات موضوعية في التحقق معترفة أن جزءا من الجثامين دفنت بواسطة شركات خاصة لم تعن بالتوثيق ولم تحتفظ بسجلات يمكن الاعتماد عليها.
استثمار سياسي وتجارة اجرامية
من أهم مفقاصد الاحتلال في سياسته الاجرامية تجاه ملف الجثامين، سعيه لاستثمارها سياسيا في عمليات تبادل الأسرى وهي تسعى حاليا لادراج جثامين الشهداء ضمن صفقة تبادل محتملة مع حركة حماس لإسترداد أشلاء جنديين صهيونيين من غزة. رغم تعهدها سابقا بالإفراج عن هذه الجثامين دون قيد أو شرط.
كما إن استخدام أعضاء الشهداء يعتبر الوجه الآخر للتلاعب والتباطؤ والخداع الصهيوني في هذه القضية حيث كشف التلفزيون الصهيوني في كانون أول 2012 في تقرير موثق عن استخدام أعضاء كالقرنيات والعظام والعظام الطويلة وجلد الظهر وغيرها وانتزاعها من الجثامين.
وكان صحفي سويدي قد فضح منذ سنوات العمليات الموسعة لسرقة الجثامين وأعضاء الشهداء في عملية تجارة صهيونية قذرة، في فضيحة ارتد صداها في أنحاء العالم.
مؤخرا ثارت فضيحة جديدة عقب استرداد الأردن لجثامين ثلاثة من الجنود تبين إنه تم التلاعب بها وإهمالها، بطلة هذه الفضيحة هي جمعية زاكا اليهودية المتطرفة التي أسست في تسعينيات القرن الماضي، وقد ورد اسمها في الفضيحة المتعلقة بالجثامين الأردنية، وهناك الكثير من الشبهات التي تحيط بهذه الجمعية الدينية المتطرفة المختصة بنبش القبور وجمع الجثث وهي جمعية عنصرية متزمتة أسسها حاخام متطرف تؤمن بأن التوراة أباحت قتل الأغيار واستباحة دمائهم وأعضائهم لخدمة بني إسرائيل.
وهناك علاقات مشبوهة بين الجمعية ومافيا المخدرات وبيع الأعضاء في الكيان الصهيوني وكان ذلك هو جوهر تقريركبير للطب الشرعي الصهيوني وكبير الأطباء في المعهد يهوذا هس. حيث تعمل جمعية زاكا مع شركة اس دي اس بسرقة رفاة الشهداء من مقابر الأرقام بالتواطؤ مع السلطات الملزمة بحماية هذه المقابر.
واعترف البروفيسور هس بانتزاع أعضاء الشهيد بلال غانم على سبيل المثال حيث وجد ذووه شقا من بقبته إلى أسفل بطنه وتبين سرقة القرنيات وأعضاء حيوية وصولا إلى الكلى. وقال البروفيسور هس انه تم زرعها لجنود مصابين.
ما المصير..
ستبقى قضية مقابر الأرقام وصمة عار في وجه الصهيونية البشع أصلا، وستبقى جرحا غائرا في قلب كل فلسطيني، حتى يتم استعادة هذه الجثامين الشريفة ومواراتها بما يليق بها من تكريم واحترام، ولامفر من واصلة النضال على كل المستويات وصولا إلى إجبار الكيان على تسليم هذه المقابر لسلطة دولية قضائية محايدة تضمن سلامتها وتعمل على تنظيم اعادة الشهداء منها.
هذا مسار ضروري ولايمكن تجاهله والتغاضي عنه، ولكننا ندرك يقينا أن استعادة جثامين شهدائنا لن تتم برضى العدو وتسليمه ولن يفعلها إلا مرغما وطريق ارغامه معروف ومرسو، مقاومة لاهوادة فيها ومسار عسكري واضح واستراتيجي يؤلم العدو وينتزع منه ما يحب ليعيد إلينا مانحب.

