للعلم، لو كان الذي نقوله غير صحيح, فلماذا لا توجّه هذه التنظيمات (التي تطلق على أسمائها وصف “الجهادية”, وهذه منها براء!) أسلحتها ضد العدو الصهيوني؟ ثم, أين هي واجباتها في تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟ فالكيان يخطط لهدم الاقصى, ويقوم بتهويد القدس ، فأين إسنادكم للإخوة الفلسطينيين, المفترضُ فيهم أنهم إخوانكم في الدين، فوفقا للدين الإسلامي الحنيف: فإن الجهاد ضد إسرائيل هو الأهم والأولى..
بعدما كشف وزير الحرب الإسرائيلي السابق, موشيه يعالون, عن أن تنظيم “داعش” أطلق النار مرة واحدة بالخطأ فقط باتجاه الجولان, ثم اعتذر عن ذلك على الفور, أكّد بما لا يترك مجالًا للشك, أن التنظيمات الإرهابية من أمثال “داعش” و”النصرة” وغيرهما من التنظيمات الإرهابية هي في الأساس صناعة صهيونية أميركية وغربية عمومًا، كما أن الاعتذار يثبت أن “داعش” وحلفاءه من تنظيمات الإرهاب أوجدت لتخريب الوطن العربي وتقسيمه, وإلهاء الأمة العربية عن معركتها الأساسية مع العدو الصهيوني. إنها نفس الأهداف التي رُسمت لـ”داعش” ولـ”جبهة النصرة” وغيرهما من قبل الموساد الصهيوني والمخابرات الأميركية والبريطانية بالتنسيق والتمويل من بعض إقليمي وعربي, المعني تماما بتدمير الأمة العربية! وجيوشها الأساسية في كل من العراق وسوريا, وها هي بداياتها تحاول الظهور في مصر, بهدف تدمير أقوى ثلاثة جيوش عربية أمام العدو الصهيوني. هذا إضافة لمؤامراتها المتتالية في اليمن وليبيا وتونس والسودان وغيرها.
يأتي اعتذار “داعش” بعد تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو, (11 نوفمبر/تشرين ثاني2015), من أن الكيان يقيم علاقات مع “جبهة النصرة” (التي غيّرت اسمها إلى “فتح الشام”) التابعة لتنظيم “القاعدة”, لافتًا إلى أنها تتعلق “بضمان أمن إسرائيل”, على حد زعمه. وقالت وسائل إعلام أميركية حينها, إن نتنياهو وفي رده على استفسارات الرئيس الأميركي السابق أوباما, حول طبيعة العلاقة الخاصة التي نشأت بين إسرائيل و”جبهة النصرة” على حدود الجولان العربي السوري المحتل, اعترف نتنياهو, بأن إسرائيل فعلًا تقيم علاقة خاصة مع مجموعات تابعة لـ”جبهة النصرة” أيضا, على الحدود من الجانب السوري, ودافع نتنياهو عن هذه العلاقة, بقوله, إنها لضمان أمن إسرائيل، وليس لتعزيز قدرات “جبهة النصرة”. على صعيد آخر, فإننا كتبنا على صفحات “الوطن” أن هذه التنظيمات تعالج جرحاها في مستشفيات العدو الصهيوني, تماما كما يحضر مندوبو ما يسمى بـ”المعارضة السورية” مؤتمرات الكيان الاستراتيجية السنوية, مثلما أبدت معارضة آخر زمن استعدادها لإهداء الجولان إلى الكيان, مقابل تأييده لها عسكريًّا, من أجل إزاحة الرئيس بشار الأسد.
للعلم، الظاهرتان: “إسرائيل” و”داعش” و”النصرة” وحليفاتها, رعى الغرب إنشاءها من العدم (وبخاصة بريطانيا في البداية في إنشاء الكيان، ثم الولايات المتحدة في رعايته)، وفي إنشاء القاعدة وفروعها فيما بعد, بهدف محاربة السوفييت في أفغانستان. لذلك, تم إنشاء إسرائيل بدايةً, ككيان مصطنع في منطقتنا من أجل أهداف استعمارية بحتة بمهمات رئيسية، الاعتداء على شعوب المنطقة ودولها تاريخا وحضارة ووجودا. كما اقتراف المذابح ضد الفلسطينيين وأبناء الأمة العربية، وتخريب النسيج الاجتماعي لشعوب الأمة الواحدة، ومنع لقائها الجمعي الوحدوي ـ والعمل على تفتيت دولها إلى دويلات متحاربة من خلال إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية البينية فيما بينها.
نتساءل: أليست هذه هي ذات الأسباب، التي من أجلها أنشئ “داعش” و”النصرة”؟ هذا ما لا نتجناه، بل تؤكده مصادر بحثية ودراسية كثيرة, من أهمها ما نُشر عن أصول “داعش” كما ما أورده موقع “جلوبال ريسيرش”(21 نوفمبر تشرين ثاني 2015 ) الكندي معددا أسماء الجهات, التي قال إنها أنشأت “داعش” ولا تزال تدعمه, مشيرًا إلى أن فرنسا وإسرائيل واحدة من تلك الدول. وفي تقرير له (في ذات التاريخ) نشر الموقع رسومًا توضيحية أعدها الكاتب والمؤلف الأميركي تيم أندرسون للنشر, في كتابه الذي صدر بالفعل بعد ذلك ببضعة أشهر، تحت عنوان “الحرب القذرة”, كما يتناول الكتاب تفاصيل وطرق الدعم لهذا التنظيم الإرهابي من قبل كل تلك الأطراف.
للعلم، لو كان الذي نقوله غير صحيح, فلماذا لا توجّه هذه التنظيمات (التي تطلق على أسمائها وصف “الجهادية”, وهذه منها براء!) أسلحتها ضد العدو الصهيوني؟ ثم, أين هي واجباتها في تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟ فالكيان يخطط لهدم الاقصى, ويقوم بتهويد القدس، فأين إسنادكم للإخوة الفلسطينيين, المفترضُ فيهم أنهم إخوانكم في الدين، فوفقا للدين الإسلامي الحنيف: فإن الجهاد ضد إسرائيل هو الأهم والأولى، فهي الغاصبة للأرض الإسلامية، وهي القاتلة للبشر والمدنيين والأطفال الفلسطينيين، وهادمة البيوت، وهي العدو الرئيسي للإسلام! رغم كلّ ذلك فإنكم وبدلا من الجهاد المفترض أن تخوضوه ضد عدو الدنيا والدين، تواصلون مخططاتكم التخريبية في العراق وسوريا وليبيا وتونس و مصر وأوروبا وغيرها، بهدف واحد وحيد هو، الإساءة لديننا الحنيف, الذي يحرض على قتال الأعداء، وفي حالتنا, الصهيونية وكيانها.
“داعش” مستمر في تخريب وتدمير النسيج الشعبي العربي, في الوقت الذي عاشت فيه المجتمعات العربية قرونا طويلة من الوئام الطائفي والسلام بين المذاهب والطوائف والأديان والإثنيات. لا فرق بين مسلم ومسيحي وبين سني وشيعي وبين عربي وآخر من قومية ثانية, الكل سواسية في دولتهم، فالدين لله والوطن للجميع، فالأقرب والأكرم لله جل شانه “أتقاكم”. إن أحد أخطر المخططات التي ينفذها “داعش” ومجموع التنظيمات الإرهابية الأصولية المتطرفة، هو تدمير التعايش في الدول العربية، وهو نفس الهدف الصهيوني منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة. “داعش” هجّر ويهجّر المسيحيين ويقوم بتفجير كنائسهم, كما حصل مؤخرا في مصر, معروف للجميع كيف قامت الدول الغربية بتسهيل هجرة المسيحيين والأقليات الأخرى من العراق ومن الدول العربية، إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية والغربية واللاتينية الأخرى, من خلال التنسيق بينها وبين تلك الدول, والكيان من جانبه أبدى استعداده لاستقبال كل المسيحيين العرب! بالتالي, ليس غريبًا أن يعتذر “داعش” من أسياده الصهاينة في الكيان, على قذيفة أطلقها بالخطأ على المنطقة الفلسطينية المحتلة عام 1948.

