”.. لا ثقافة من دون قراءة, فالثقافة هي حصيلة للمعرفة, وهذه بدورها نتيجة للاطلاع, وهذا ملازم أبدي للقراءة. حتى اللحظة, فإن تعريفا محددا للمثقف لم تجر صياغته, انطلاقا من الزوايا العديدة التي يتم النظر من خلالها, إليه, وانطلاقا من رؤية دوره: إن بالمشاركة في عملية التغيير السياسي أو في سياسة التغيير المجتمعي. لطالما تحدث الفلاسفة والمفكرون عن تعريفات وأدوار شتى للمثقف, ومن بينهم ابن خلدون, ”
بمنتهى الموضوعية نقول بعد تجربة في نشر الكتب, امتدت لأربعة عقود. كانت دور النشر العربية ترحّب بنشر المخطوطات الجادة, أيًّا كان موضوعها. اليوم, يكد الباحث سنوات في كتابة مخطوطة كتابه, ومحاولة نشره لدى دار نشر عربية, فتشترط عليه أولا, دفع تكاليف طباعته. واقع مؤلم بالتأكيد, فأولاً وأخيرًا, فإن دار النشر هي مهنة, ووسيلة مالكيها من أجل العيش. بالفعل, إنهم محقون ! فعلى ضوء تراجع نسبة مبيعات الكتاب الجاد, فمن حق الناشر طلب أجرة الطباعة,ولكن المفروض مع عدم المبالغة كما يحصل حاليا. الإخوة الناشرون يتصورون الكاتب قادرًا من الناحية المالية, أو غنيًّا! لا يدركون أن 99% من الباحثين والكتاب الجادين والأصيلين, تتراكم عليهم أجور بيوتهم أو مكاتبهم لأشهر طويلة. في زمننا, إن لم تكن كاتبا مرتَزقا وتابعًا فلن تغني على ليلاك! وإن كنت جادًا ولا تستجب لما يراد إملاؤه عليك من شروط ومعطيات فمعنى ذلك أنك تأكل “الهواء” بدلا من الطعام , وأن تظل محاصرًا. ومع ذلك, لا بد وأن تدفع ثمن طباعة كتابك الجديد. هذه هي القضية الشائكة في مجتمعاتنا العربية.
نعم, “في البدء كانت الكلمة” رغم إنكار الجهلة لهذه المقولة, وتفسيرهم الأجهل لها, فالقراءة: هي حبل التواصل مع الوجود, هي جسر التفاهم مع الحضارة والتاريخ والمعرفة والعلم. وهي قبل كل شيء : حياة. أمتنا العربية ازدهرت حياتها الأدبية حتى في العصر الجاهلي, ولهذا اشتهرت أسواق الشعر: عكاظ , مجنة, وسوق “ذي المجاز”. جاء الإسلام وكانت الآية الكريمة التي ابتدأت بكلمة :اقرأ. النبي الكريم (ص) حض على طلب العلم ولو في الصين. الحض على المعرفة دعت إليه كل الأديان, وكذلك الشرائع: من شريعة أورنامو مرور بشريعة آشنونا, وصولا إلى شريعة حمورابي, وكذلك البوذية. لعلني أستشهد ببعض ما قيل عن القراءة: عباس العقاد (صاحب العبقريات الخالدة) يصف القراءة: “بأنها تطيل العمر”. أما الجاحظ فيصفها قائلا: “يذهب الحكيم وتبقى كتبه, ويذهب العقل ويبقى أثره”. أما فرانسيس بيكون فيقول: “القراءة تصنع الرجال” .بدوره فإن مونتين يصف القراءة : “بأنها الصديق الذي لا يخون طيلة الحياة” .
بعد ذلك, فلنجعل الحقائق والأرقام تتحدث عن نفسها, وعن نسب قراءة أبناء امتنا, ومقارنة النسب مع مثيلاتها لدى الكيان الصهيوني وليس عند الشعوب والأمم الأخرى. إن معدل قراءة الفرد العربي 6 دقائق سنويا, أو ربع صفحة من أحد الكتب. ما يطبع في العالم العربي مجتمعا أقل من 5000 كتاب سنويا. سوق الكتاب العربي بيعا وشراء لا يتجاوز 4 ملايين دولار سنويا, كل 300 ألفا من العرب يقرأون ما مجموعه كتابا واحدا سنويا. أما الكتب الأكثر مبيعا في معارض الكتب العربية, فغالبا ما تكون: كتب الأبراج, وتعليم الطبخ, ومذكرات وفضائح الفنانات والفنانين. معدل ما يقرأه المواطن في الكيان الاسرائيلي 7 كتب سنويا. أما معدل الكتب التي تصدر في الكيان 40 ألف كتاب سنويا. نصيب كل مليون مواطن في الكيان على صعيد الكتب المترجمة 580 كتابا سنويا. النسب للأسف تؤكد, تواضع قراءة أمتنا العربية.
على صعيد آخر, فلا ثقافة من دون قراءة, فالثقافة هي حصيلة للمعرفة, وهذه بدورها نتيجة للاطلاع , وهذا ملازم أبدي للقراءة. حتى اللحظة,فإن تعريفا محددا للمثقف لم تجر صياغته, انطلاقا من الزوايا العديدة التي يتم النظر من خلالها, إليه, وانطلاقا من رؤية دوره: إن بالمشاركة في عملية التغيير السياسي أو في سياسة التغيير المجتمعي. لطالما تحدث الفلاسفة والمفكرون عن تعريفات وأدوار شتى للمثقف, ومن بينهم ابن خلدون, الذي أطنب في استخدام مفاهيم مثل (اصحاب القلم) و(الفقهاء) و(العلماء). كذلك ابن رشد, الذي حُرقت كتبه في أسواق إشبيلية, كما محيي الدين ابن عربي والغزالي وغيرهم.
إن الأقرب إلى الواقع ,ما ذكره “غرامشي” في تعريفه لمعنى المثقف والذي يراه, من خلال وجوده الاجتماعي. وإذ ذاك فإن نقل الثقافة من عالم الافكار واهتمامات ذوي الاختصاص إلى عالم الصراع الاجتماعي, فإنه هو الذي يعيد صياغة المثقف عند المفكر الإيطالي. غرامشي لا يرى المثقف الا في وظيفته النضالية, التي تجعل من الممارسة لحظة داخلية في مجمل عملية التغيير, وهكذا دواليك. ووفقا لجمال الدين الافغاني , فإن دور المثقف يتمثل في التأمل في الحاضر من اجل تفسير النبل الانساني واضاءة الطريق لأبناء امته ,على قاعدة التمتع بالروح النقدية الفلسفية, واستخدامها في مراجعة الماضي. والمثقفون مرتبطون ايضا في نتاجاتهم بمدى معايشتهم للواقع من حيث إدراكه ومدى التأثير فيه ,على طريق تغييره.
إننا شعب فلسطيني مقاوم, وبالتالي, نحن معنيون بـ “ثقافة المقاومة”, ومن أجمل من كتب عنها: لويس أراغون, بابلو نيرودا, مكسيم غوركي ,ناظم حكمت, لوركا, نيكوس كازانتزاكيس, غسان كنفاني , محمود درويش , سميح القاسم وتوفيق زياد وابراهيم طوقان وأبو سلمى وغيرهم…ظلّ كل هؤلاء خالدين ,أكثر من أي سياسيين سواء في بلدانهم أو على صعيد العالم, وذهب الذين أعدموا البعض منهم وأسيادهم, إلى مزابل التاريخ .لوركا كان يلقي شعره في لحظة إعدامه. بابلو نيرودا وعندما جاء قطعان بينوشيت ( بعد ان” سلاحي هو شعري”. كازانتزاكيس يقول عن المقاومة, وعلى لسان الراهب “ياناروس” في رائعته “الإخوة الأعداء”, ذلك بعد أن فشلت كل دعواته إلى الإخاء والمحبة والسلام من إخراج المحتلين لأرضه ووطنه اليوناني, وصل إلى نتيجة ,مفادها : “أيتها الفضيلة تسلّحي..أيها المسيح تسلّح..إني سأعلن الإنجيل الجديد في كل مكان “إنجيل السلاح”.. يقول محمود درويش “هزمتك يا موت الفنون جميعها.. هزمتك يا موت.. الأغاني” وهكذا توفيق زياد وسميح القاسم ومن قبل عملاق الأدب الفلسطيني والعربي والإنساني المقاوم الشهيد غسان كنفاني. وهكذا تكون أهمية الثقافة وطباعة الكتاب, وبرغم كل شيء ,سأظل أستدين لطباعة كتبي.

