Menu

حضرت الانتخابات وغابت الديمقراطية

عمر نزال

بقلم / عمر نزال

الديمقراطية هي مصطلح اغريقي الاصل يعني حكم الشعب، وهي نظام اجتماعي – سياسي يستند الى قوانين ومعارف وثقافة مجتمعية تتيح للمواطنين بمساواة تامة، تحديد واقعهم ورسم مستقبلهم في كل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، سواء مباشرة او من خلال اختيار ممثلين عنهم، وهنا فان الانتخابات كاحد ادوات اختيار الممثلين عن الشعب، تكون واحدة من مكونات وتجليات عديدة للديمقراطية، ولا يمكن ولا يجوز مساواتها بالديمقراطية، او حصر الديمقراطية بتعبير واحد هو الانتخاب.

والعملية الانتخابية وفقاً لمفهوم الديمقراطية، يجب ان تتم من الفها الى يائها بما يحقق المساواة التامة بين المواطنين، وتوفير الفرص المتكافئة لهم في التعبير عن خياراتهم ترشحاً وانتخاباً، وهو ما لا يمكن تحقيقه في الواقع الفلسطيني.

فالاحتلال الذي يتحكم في كل مناحي حياتنا، وتفاصيلها احياناً، هو عائق اساسي امام ديمقراطية الانتخابات، فهو اولاً يفرض استثناء مدينة القدس من الانتخابات، ويفرض ثانياً حرمان الاسرى في سجونه من ممارسة حقهم في الانتخاب، وله ثالثاً سلطة اعتقال وترهيب من لا يروق له من المرشحين ونشطاء الانتخابات وخاصة من الفصائل التي يعتبرها محظورة، وهو يفعل ذلك باستمرار سواء في الانتخابات التشريعية او المحلية، وله رابعاً السلطة في منع او الحد من ممارسة المنتَخَبين لصلاحياتهم وواجباتهم بعد انتخابهم، بما في ذلك الهيئات المحلية التي يعيق ويتحكم في تنفيذ قراراتها وخاصة تلك المتعلقة بالمخططات الهيكلية والتوسع العمراني، بل حتى في مكبات النفايات.

أما النظام السياسي الفلسطيني وتركيبته المشوهة فانها تشكل العائق الثاني أمام تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، فواقع الانقسام، اي كانت اسبابه واي كان مسببه، وانعكاس ذلك في الاعقالات والملاحقات والتضييقات الامنية من قبل طرفي الانقسام، كل في ساحته ضد نقيضه وضد الفصائل الاخرى وان بشكل اقل، وكذلك استغلال كل طرف لمقدرات السلطة في منطقة نفوذه. هذه العوامل تخل بشكل حاسم في نزاهة المنافسة، وتعكس ذاتها على نتائج ومخرجات اي انتخابات، بما في ذلك قبول الاحتكام لنتائج الصندوق، والتداول السلمي للسلطة.

أما العائق الثالث، فهو الثقافة المجتمعية السائدة وملامحها المتعلقة بالفئوية الحادة، والتعصب، والانتماءات السياسية والعشائرية، والميل لإلغاء وعدم قبول الآخر، وبالتالي فان الاختيار يتم بناء على معايير لا علاقة لها باسس الديمقراطية، حيث الاحتكام يجب ان يكون للبرنامج الانتخابي ومدى صدقه وواقعيته، ويرتبط بهذا غياب آليات المسائلة والمحاسبة على تنفيذ البرامج الانتخابية.

ويمكن قراءة انعكاسات هذا الغياب للديمقراطية، او حضورها المشوه، بثلاثة عوامل ادت الى بهتان الانتخابات وافقادها مكانتها كمكون من مكونات الممارسة الديمقراطية:

اولها، مقاطعة ثلاثة فصائل رئيسية لهذه الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وبغض النظر عن اسباب ذلك، فقد ادى هذا الى غياب مظاهر التنافس المستند الى الرؤى والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع الاشارة الى ان الهيئات المحلية ليست هيئات خدماتية كما يتصورها البعض، بل انها هيئات حكم محلي لها ادوار وطنية وتنموية واضحة.

وثانيها، اقتصار اجراء الانتخابات على الضفة دون غزة، ومرة اخرى بغض النظر عن اسباب ذلك، ادى الى افقاد هذه الانتخابات طابع الشمولية والاحساس بوحدة الحال والخيار لدى ابناء الشعب الواحد الذي يعبر عن رفضه لنتائج وتداعيات الانقسام وسياسة الامر الواقع.

وثالثها، تدني حجم المشاركة في هذه الانتخابات والذي تجلى في انخفاض نسب التصويت وخاصة في مراكز المحافظات والمدن الرئيسية (53% بالمتوسط)، ولعل الادق هو احتساب نسبة المشاركين من اجمالي اصحاب الاقتراع، حيث اقترع في انتخابات السبت 13- أيار 420682 ناخب من اصل 2555025 هم اصحاب حق الاقتراع، اي ما نسبته 16.5% ، وتجلى كذلك بشكل اوضح في عدد المجالس التي جرى فيها التنافس والانتخابات والتي بلغت فقط 145 مجلساً من اصل 391 مجلساً كان متاحاً التنافس فيها في الضفة الغربية ( 37% )، ناهيك عن المجالس الخمسة وعشرين في غزة.

وأخيراً، فان تزامن الانتخابات مع دخول اضراب الحرية والكرامة الذي يخوضه الاسرى في سجون الاحتلال يومه السابع والعشرين، قد عكس نفسه دون شك على نسب المشاركة او على حجم التفاعل والاهتمام بالانتخابات ونتائجها، مع الاشارة الى ان الاضراب كان عاملاً طارئأ على العملية الانتخابية التي كانت قد بدأت قبل بدء الاضراب.

وهكذا فان الانتخابات المحلية قد حضرت وانتهت واعلنت نتائجها، لكن مفهوم الديمقراطية بشموليته قد غاب، وهو ما يستدعي لاحقاً ربط اجراء اي انتخابات بتوفر عوامل نجاحها وضمان اتساقها مع قيم ومكونات الديمقراطية الاخرى، والا فانها ستبقى مؤشراً زائفاً على الادعاء بديمقراطية النظام السياسي.