Menu

الشعب يمهل ولا يهمل

محمود الراس

شكّلت الانتخابات المحلية الأخيرة ورغم انسحاب قوى وازنة من القوى الفلسطينية فيها مؤشراً خطيراً على عزوف المواطن الفلسطيني عن المشاركة السياسية حيث لم تتجاوز نسبة المقترعين 50% ممن يحق لهم الاقتراح لتشكّل المشاركة المتدنية جداً في المدن الرئيسية والتي توزعت  على الشكل التالي: نابلس 19,80%، البيرة 28,46%، رام الله 39,30%، كل ذلك حسب الإحصائيات المعلنة من لجنة الانتخابات المركزية ورغم ما أشرت له وسائل إعلام مستقلة تحدثت بأن إجمالي المقترعين لم يتجاوز نسبة 37% إضافة للعديد من المؤشرات التي أكدت طغيان  الطابع العشائري على كل الحسابات الأخرى في تشكيل القوائم، إضافة لكون الانتخابات جرت في 44% من الهيئات المحلية فيما فازت 56% منها بالتزكية، حيث جرت الانتخابات في 145 هيئة من أصل 326 لتفوز 181 قائمة بالتزكية. ولعل في الهيئات التي جرت بها الانتخابات ما أشر  وبوضوح لنفض شعبنا يده من السلطة وسياساتها، وحتى  عقاب حركة فتح التي تعتبر نفسها هي العمود الفقري للسلطة وهو ما رأيناه في مدينة نابلس تحديداً، حيث أدت سياسات وممارسات السلطة إلى عزوف التصويت عقاباً لها ولفتح.

جاءت النتائج الأولية لانتخابات المجالس المحلية في الضفة لتؤكد أن شعبنا الفلسطيني قادر على عقاب السلطة الفلسطينية على ممارساتها بحق الوطن والإنسان الفلسطيني، وجنوحها نحو التنسيق الأمني والتطبيع والتسوية والمفاوضات ومحاولة تكرار تجربة أوسلو العقيمة بعيداً عن الأجندة الوطنية وحالة الإجماع الوطني، والقضايا الوطنية التي يلتف حولها مثل المقاومة والأسرى والوحدة الفلسطينية.

أرادوها استفتاء على نهجهم فكانت القطيعة والنزوح الجماعي نحو قوائم المستقلين فهل تستخلص السلطة وأحزابها العبر، فشعبنا الفلسطيني على مدار تجربة النضال الوطني الفلسطيني هو المعادلة الصعبة التي لا يستطيع أي أحد لا احتلال ولا سلطة ولا طرفي الانقسام أن يكسرها، فهذا الشعب الذي قدم آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمبعدين على مذبح الحرية والعودة يمهل ولا يهمل.

شعبنا قال كلمته بأن لا قوة على وجه الأرض قادرة على فرض إرادتها على شعبنا، والذي يتصدى بدماء ولحم وعظام أطفاله وشيوخه ونسائه للاعتداءات الصهيونية المتواصلة في الضفة و القدس كما تصدى في السابق للمحرقة الصهيونية عام 2014 وحوّل من أجساد شبابه لقنابل موقوتة في وجه أفواج دبابات العدو وعصابات جنوده قادر على عقاب كل من يفاقم من معاناته، وقادر أيضاً على وقف عجلة الصراع الدموي  على السلطة وسيضع حداً لوحشية أصحاب المصالح في استمرار تأجيج هذا الصراع كاشفاً عن أجندتهم ومشاريعهم وسيقف دوماً إلى جانب من يختار الشراكة ويرفض سياسات الهيمنة  والتفرد ويحاول حرف بوصلة الصراع عن وجهتها، كما أنه قادر على إفشال المشاريع التصفوية المشبوهة وسيتصدى لها بإرادة شبابه وحكمة شيوخه وبأمعاء أطفاله ووعيه وحسه الوطني.

لن يقبل شعبنا لا بدولة كانتونات في الضفة، ولا ب غزة الكبرى ولا بصفقة القرن بديلاً عن العودة والتحرير، ولا بالمأكل  والملبس بديلاً عن بندقية المقاومة، ولن يقبل بغير المقاومة والصمود طريقاً للوحدة والتحرير وعلى السلطة والحاكم أن يدركوا بأن من يدير ظهره لشعب بأكمله عاشق للحرية وثقافة المقاومة إنما يدير الظهر  لمشروعية واستمرار وجوده، ولذلك جاءت نتائج الانتخابات المحلية في الضفة لتؤكد أن الشرعية هي للشعب وللمقاومة، وأنه لا شرعية لمن حاول الانتقاص من حقوقنا الوطنية، والتعدي على كرامة وحريات هذا الشعب الأصيل.

على جماعات الانقسام والمصالح أن تدرك تماماً أنها إن جارت لسنوات طويلة على أبناء شعبنا وفاقمت من معاناته ستجد نفسها يوماً ما تدفع ثمن خطاياها بحق الوطن والشعب.

ولعل في أبرز الدروس والعبر في هذه المحطة من الانتخابات أنها وجهت رسائل لمن يعتبر أن عجلة التحرير لا تحدث إلا من خلاله فقط، أو من خلال نهجه رغم خطأ وحالة الخذلان والخيبات والويلات التي نتجت عن هذا النهج. فحامل مشروع المقاومة والحرية والوحدة هو الذي يجند طاقاته وأحلامه مع شعبه وينظر للجميع على أنهم شركاء ومساهمين  بعملية التحرير من خلال برنامج وطني لا يفرط بالثوابت ونقيض لبرنامج أوسلو والسلطة.