Menu

قمة الموت.. وداعاً لأموال النفط

قمة الموت

خاص بوابة الهدف

يظن البعض أن الموارد النفطية الهائلة المُتوفرة في السعودية وغيرها من بلدان الخليج العربي، هي شيك على بياض لا حدود لقدرته على تغطية النفقات وتوفير الأموال لتنفقها الأسرة الحاكمة كيفما شاءت، ولكن حقيقة أنّ لهذه الثروة حدود تُقدر بالأرقام، وأنّ هذا الرقم تحديداً هو تقريباً (500) مليار دولار، ذات الرقم الذي قررت الأسرة السعودية الحاكمة منحه للولايات المتحدة دون أي مقابل حقيقي.

النفط سلعة ويمكن فهم قيمته كثروة هامة قياساً بقيمته في السوق، وبالقدرة على استثمار الأموال الناتجة عن قيمة بيعه في أسواق الطاقة، وفي هذا الجانب تحديداً أسهمت السعودية في السنوات الأخيرة بالذات، في إلحاق انخفاض هائل بالأسعار النفطية، وعلى نحو لا يمكن تعويضه، وفي المقابل زادت نفقات المملكة التعيسة على حربها المُباشرة في اليمن، وعلى حروبها بالوكالة في سوريا و البحرين وغيرها.

أي كانت التوصيفات والتحليلات التي أحاطت بقمة الرياض، فإن لها عنوان واحد، وهو أن حكام السعودية قد قرروا منح كل ما تملكه هذه البلاد من رصيد وادخار مالي للولايات المتحدة الأمريكية، فما نجى من الإنفاق السعودي للإيرادات النفطية طيلة السنوات الماضية من عمر هذه المنظومة، كان قبل شن الحرب المسعورة على اليمن يقدر بـ(700) مليار دولار، خسرت السعودية منه أكثر من (150) مليار دولار في هذه الحرب وتبقى ما يزيد قليلاً عن (500) مليار دولار، وهذا المبلغ المتبقي هو ما تعهدت السعودية بتقديمه للولايات المتحدة، صحيح أنّ العنوان المُعلن هو صفقات لشراء السلاح واستثمارات سعودية في الولايات المتحدة، ولكن الشواهد تُؤكد يقيناً أنّ هذا إعطاء لجزية طلبها دونالد ترامب في حملته الانتخابية، وقرر محمد بن سلمان، ووالده دفعه للسعودية، باختصار بإمكان أي مُتابع منصف أنّ يخبركم إن شاء الصدق أنّ السعودية اختارت الوقوف على حافة الإفلاس بمحض ارادة حكامها، ذلك مُقابل دعم ترامب لبقاء حكامها في مقاعدهم، وشراء طمئنة غير جادة لذعر هؤلاء الحكام من الجار الايراني، وشراء الموافقة الأمريكية غير المضمونة أيضاً على وراثة محمد بن سلمان لعرش والده بدلاً عن عمه المُسمى رسمياً كولي للعهد.

وحتى يكتمل تصورنا للكارثة التي أقدم عليها حكام السعودية، علينا أنّ ننتبه لكون السعودية تُعاني من عجز كبير في موازنتها السنوية، تقوم بسداده من ادخارها الاحتياطي سابق الذكر، وباستنفاذ هذا الاحتياطي المالي ستحتاج المملكة لزيادة مبيعاتها من النفط سنوياً، وهو ما يعني المزيد من الانهيار في أسعاره والانخفاض في قيمته، وهو ما يعني اجمالاً أنّ هذه المملكة دخلت في دورة من الانحدار والاستنزاف المالي والاستدانة لا يمكن الخروج منها إلّا لو حدثت طفرة إعجازية في أسعار النفط وهو ما يبدو مُستحيل حالياً خصوصاً في ضوء عودة كلٍ من ايران و العراق لأخذ حصصها في السوق النفطية العالمية.

عن الحرب والسلاح

قديماً قيل "السلاح زينة الرجال" ويبدو أنّ مفهوم الحكام في السعودية عن السلاح لم يتجاوز هذه العبارة، فرغم أنّ السعودية تضرب أرقام قياسية سنوياً في موازنتها الدفاعية إلّا أنّها حتى الأن لا تمتلك الحد الأدنى من القدرة على الصمود أمام أي هجوم خارجي، وبالنظر للأداء العسكري السعودي في كافة المُواجهات السابقة، يمكن الحديث فقط عن الخلل الواضح في المُعادلة بين الموازنة الدفاعية المهولة وبين هذا الأداء، فالسعودية التي أعلنت ذات يوم مساندتها للكويت في الحرب على العراق خسرت مدينة الخفجة لمصلحة القوات العراقية دون قتال يُذكر، ولولا تدخل قوات التحالف بالقيادة الأمريكية لما استطاعت السعودية وقف هذا الزحف أبداً، وفي الحرب على صعدة استطاع بضعة من المقاتلين القبليين تكبيد السعودية خسائر كبيرة اضطرتها لعقد التسوية معهم، والحرب اليمنية الحالية تُشكل مثال صارخ على ضعف القدرة العسكرية السعودية وعجز صفقات الأسلحة الباهظة عن إنقاذ ماء وجه السعودية المهدور على يد فقراء اليمن، الذين يحرقون المعدات العسكرية السعودية يومياً، ويخترقون حدود المملكة ويدكّوها بصواريخهم، كل هذا يحدث بأسلحة أُنتجت فعلياً في ستينات وسبعينات القرن الماضي، دبابات "الأبرهامز" وجيبات "الهامر" المُحترقة على أيدي فقراء اليمن هي ذاتها الأسلحة التي يجري شراءها ومثيلاتها اليوم بمليارات الدولارات.

هذا الجانب تناوله الباحث عامر محسن في مقالة له بعنوان "كيف تهدر ألف مليار دولار: التسلح الخليجي"، تزامنت مع شراء السعودية قبل عامين أسلحة بقيمة (60) مليار دولار من الولايات المتحدة، تحدث "محسن" عن عجز صفقات السلاح الخليجية عن صناعة الجيوش، ناهيك عن صناعة جيوش قادرة على خوض المعارك وكسب الحروب، مُؤكداً أنّه حين تشتري سلاح من الخارج فأنت عملياً تقدم مساعدة اقتصادية لدولة أخرى، مُضيفاً أنّ "أغلب المال السّعودي سيذهب لشراء طائرات أميركيّة من الجيل الرّابع، فيما تنفق كلّ من اسرائيل، الهند، روسيا، الصّين، ونصف دول أوروبّا أقلّ من عُشر هذا المبلغ لتصميم وحيازة طائراتٍ من الجيل الخامس، لن تلتقطها رادارات الـ «اف ــ 15» السّعوديّة في أجواء المعركة"، الباحث محسن هنا يقصد مبلغ (60) مليار دولار التي اشترت بها السعودية الأسلحة آنذاك.

المُشكلة في الصفقات الضخمة للسلاح الخليجي لا تتوقف على كونه هدر فوري للمال على أسلحة لا تمنحك التفوق على جيوش حقيقية مدربة على القتال، ولا في كونه سقط كقطع الخردة أمام المقاتلين اليمنيين، ولكن في الكلفة الهائلة للاحتفاظ بهذا السلاح، وتخزينه، والقواعد اللوجستية والخبراء اللازمين لتشغيله وصيانته، هذا ناهيك عن الأثمان الباهظة للذخائر الذكية أو الغبية التي تحتاجها هذه الاسلحة المتطورة شكلياً، وبالنهاية تبقى كل هذه الأسلحة مُجرد كومة من الفولاذ دون ادخالها في منظومة عسكرية قادرة على توظيفها ضمن استراتيجية قتالية يُشكل البشر المقاتلين المورد الأساسي فيها، وهذا تحديداً ما لا يعرف الجيش السعودي أي شيء عنه قياساً بما يشير له هروب جنوده من مواقعهم ودباباتهم من على تخوم اليمن أمام مقاتلين مسلحين بالكلاشنكوف فحسب.

التأكيد السعودي على أنّ هذه الأسلحة موجهة لإيران يحمل مجموعة من المفارقات، أولها أنّ الكيان الصهيوني مُستبعد تماماً من حسابات السعودية كعدو، وثانيها أنّ هذا المبلغ يُعادل ما يزيد عن عشرات أضعاف الموازنة العسكرية الإيرانية التي تتضمن الانشاءات وخطوط إنتاج عشرات أنواع الأسلحة والصواريخ والمعدات العسكرية التي أثبتت نجاعتها في فلسطين ولبنان بالمواجهات المتكررة مع الجيش الصهيوني الذي لا يقارن بالتأكيد مع نظيره السعودي الهزيل، المفارقة الثالثة نستعيرها من مقال الباحث محسن "أنت لن تشتري جيوشاً بالمال ولن تتعلّم الحرب في كتاب، لكن هناك أساسيّات اسمها الجغرافيا، واسمها الديموغرافيا، والجميع يعلم أنّه لو اعتمدت المواجهة على القدرات الذاتية للمتحاربين، فإنّ كلّ تكنولوجيا الأرض لن تغيّر في هذه الأساسيّات: ايران (أو العراق) ستكون في الكويت في خمس دقائق، وفي السعودية في نصف ساعة، وفي الامارات في اليوم التّالي".

من اخترع هذه النكات؟     

السعودية أعلنت أن ما يقدر بـ(200) مليار دولار من المال السعودي سيُخصص للاستثمار في البنية التحتية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولنا أنّ نتخيل الحاجة الماسة من قبل الولايات المتحدة للخبرات السعودية في مجال البنية التحتية، السعودية ذاتها التي تغرق مدنها مع كل موسم للأمطار، والتي عرفت "جدة" إحدى أحدث مدنها كارثة سيول نتيجة للفشل الكبير في بنيتها التحتية، ذاتها السعودية التي أودى الإهمال والفشل والفساد في قطاع بنيتها التحتية لمقتل وإصابة ما يزيد عن ألاف الحجاج نتيجة لكارثة سقوط الرافعة في الحرم المكي.

هذه الاستثمارات ببساطة هي "جزية" إضافية تدفعها السعودية صاغرة لإدارة ترامب، لتحريك الاقتصاد الأمريكي وضمان تشغيل الأيدي العاملة وتنفيذ الوعود التي قطعها دونالد ترامب لناخبيه، وكذلك تأكيده السابق على أحقية الولايات المتحدة بنصف الثروة النفطية السعودية نظير الحماية الأمريكية لحكام هذه المملكة.

الطرفة الثانية الأكثر إثارة هي إعلان السعودية إنشاء "المركز العالمي لمحاربة الارهاب والتطرف"، وتأكيدها على دورها في نشر الوسطية والاعتدال، هذه الوسطية التي تمارسها فروع تنظيم القاعدة ومقاتليها في جنوب اليمن الذي سيطرت عليه السعودية، وكذلك هي الوسطية التي كان زهران علوش مبعوث الموت السعودي في غوطة دمشق يُؤكد عليها يومياً بقذائفه المرسلة لقتل المدنيين في أحياء دمشق.

المركز المذكور سيهتم بالتنصت والرقابة الاستخبارية على ما يقوم به كلٍ منّا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصنيف درجة تطرفهم وعلاقتهم بـ"الإرهاب" بناء على ذلك، وبالطبع سيرفع تقاريره للمشغلين الأمريكيين.

رقم قياسي

القمة المذكورة كانت مثار للتناول الساخر من النشطاء والمشاركين على مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة يمكن القول معها أنّها كسرت الرقم القياسي عددياً ونوعياً في السخرية منها، هذه السخرية لم تتوقف عند تناقل النكات والعبارات اللاذعة والناقدة لنظرات أبناء العائلة السعودية الحاكمة لزوجة وإبنة الرئيس الأمريكي، وكذلك تعليق الفتيات السعوديات الاحتجاجي على مُجالسة قادة بلادهن للسيدة الأمريكية الأولى وابنتها، في الوقت التي يُحظر فيه على السعوديات الاختلاط وقيادة السيارات، والسفر بدون محرم.

فلسطينياً نصح الناشط علاء أبو دياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعدم مُقابلة ترامب، واتخاذ أي ذريعة للتهرب من اللقاء معه في رام الله، مُؤكداً أنّ الحكام العرب قد أعلنوا استسلامهم التام للولايات المتحدة، وأنّ ترامب قادم ليفرض على الرئيس الفلسطيني تسوية ومشروع دويلة لا تتجاوز حدودها أحد أحياء رام الله، وأن المخرج الوحيد أمامه هو التملص من هذا اللقاء بأي ثمن.

السلام

ترامب صنّف في خطابه في القمة المذكورة مجموعة من الحركات التي تقاتل الكيان الصهيوني بوصفها حركات "ارهابية"، ذاكراً من بينها حماس وحزب الله، فيما طالب الملك السعودي ضيفه الأمريكي بالعمل المُشترك لإحلال السلام وإنهاء الصراع مع الكيان الصهيوني، هذا السلام الذي تبدو ملامحه واضحة كمشروع لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني أمام العدو الصهيوني، بدعم وضغط عربي، يتجاوز ذلك الذي تعرض له المرحوم ياسر عرفات إبان قمة كامب ديفد، فلدى العرب اليوم أولوياتهم في المواجهة المفتعلة مع ايران، والتي تقتضي بداية مرحلة جديدة في العلاقات مع الكيان الصهيوني تبدأ بتصفية القضية الفلسطينية.

خصوصاً في ضوء الإدراك العربي لمدى انحياز الإدارة الامريكية الحالية للكيان الصهيوني، فعملياً إنّ ملف التفاوض قد تم عهده للفريق الأكثر هوساً بالصهيونية ضمن إدارة ترامب وعلى رأسه صهر الرئيس الأمريكي العضو النشط في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

(150) قائد من الدول العربية والإسلامية حضروا هذه القمة، مُعلنين تأييدهم للخطوات الأمريكية في مكافحة "الارهاب" وصناعة السلام، هذا العدد من الدول العربية والاسلامية كفيل بخلق ضغط رهيب على الفلسطينيين البحث عن سبل حقيقية لتحمله وتجاوز هذه المرحلة التي قد تكون الأكثر حرجاً وقتامة في تاريخهم.

خلاصة

الولايات المُتحدة لن تحارب إيران لأجل السعودية، ولكنها والسعودية جاهزتان لمُواصلة تمويل صناعة الموت و"الارهاب" في المنطقة، وهو ما يعني المزيد من الاحتراب والدماء في هذه المنطقة، وخطوات اضافية في تفتيت الدول العربية وتحطيم بناها السياسية والاجتماعية في آتون الحروب الطائفية، هذا لن تكون السعودية بمنأى عن نتائجه خصوصاً في ضوء استنفاذ قدرتها على شراء الرضا الداخلي بواسطة أموال النفط، فهذا المال عملياً تم هدره، وما تنتظره السعودية بموجب رؤية محمد بن سلمان "رؤية 2030" هو التفريط بهم ما تبقى للملكة "أرامكو" الشركة النفطية السعودية، والتي لن يكون مصير أموالها أفضل بكثير من مصير ادخارات النفط المُهدرة.

قمة الرياض أعلنت ذاتها كقمة للموت والدمار في هذه المنطقة، مُرسلةً تحذيراتها لكل من يرفع رأسه فوق الحد الذي يسمح به البُسطار الأمريكي الثقيل، وتبقى الكلمة لشعوب هذه المنطقة اذا ما كانت ستخوض مواجهتها الألف مع المشاريع الأمريكية في المنطقة أم ستختار نهايتها بالخضوع والاستسلام.