Menu

الهدف هو صفقة اقليمية كبرى

ما بين جزرة غرينبلات وعصا ليبرمان: الفلسطينيون في مواجهة تسونامي التسوية

عباس وغرينبلات

بوابة الهدف/ متابعة خاصة

في قصة منشورة، يروي مدير إحدى المنظمات الدولية أن ضابطا صهيونيا سأله: هل تعرف ماهي المناطق ( أ )، و (ب)، و(ج)، "طبعا" أجابه المسؤول الدولي، (أ) هي المنطقة تحت السلطة الأمنية والمدنية الفلسطينية، (ب) هي المنطقة تحت السلطة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، (ج) هي المنطقة تحت السلطة المدنية والأمنية الإسرائيلية، "أنت مخطئ" رد عليه الضابط الإسرائيلي وأضاف "أ هي عرفات، ب هي فوضى، ج هي لنا"

تعكس هذه القصة، جوهر التفكير الصهيوني تجاه الحل في الضفة الغربية، والذي يتجوهر في النهاية على الاستيلاء على أكبر جزء من الأرض وأقل عدد من السكان، رغم أن الاحتلال يتعلمل مع المناطق الثلاث وكأن شيئا لم يكن من اتفاقات وتقسيمات، بل هي جميعها تحت الاحتلال الكامل بغض النظر عن التحسينات التجميلية والسجاد الأحمر الذي يوضع لرئيس السلطة على باب المقاطعة.

نذكر بما قاله ترامب في بيت لحم : "إن حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني شرط للسلام في الشرق الأوسط". ويرى صحفي صهيوني أن ترامب يقصد أن "إسرائيل"  ليست مسؤولة عن عدم وجود سلام في الشرق الأوسط، ولكن بدون تنازل إسرائيلي - لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط. ولكنه أيضا في خطابه الرئيسي في الكيان في "متحف إسرائيل"، قبيل مغادرته البلاد. ضمن كلامه  ثلاث رسائل: أولا وقبل كل شيء، "إسرائيل" هي أقرب حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ثانيا، إن "إسرائيل" ليست المشكلة، بل حلولا لمشاكل الشرق الأوسط، من نواح كثيرة. وثالثا، في ظل أي ظرف من الظروف، تعتزم الولايات المتحدة معالجة الأطراف في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على حد سواء، فهي تفضل صراحة دولة إسرائيل.

رغم ذلك يبدو يبدو أن حلم اليمين الإسرائيلي حول إدارة أمريكية تدعم المستوطنات في أي مكان وفي أي وقت وعلى أي حال، قد اختفى. جاء مبعوث ترامب، جيسون غرينبلات، إلى المنطقة بحثا عن صفقة. لا يهم ما هي الصفقة، طالما أنها وضعت في صيغتها النهائية بسرعة، وطالما نتانياهو وعباس شكرا دونالد صانع المعجزات!

ومع أن أن طلب السلطة من الرئيس الأمريكي ترامب االدفع بالحكومة الصهيونية لنقل المزيد من الأراضي من (ج) والحاقها بـ (ب)  أمرا لاقيمة له في ضوء استمرار الكيان بلإعلان عن نيته احكام السيطرة الأمنية على الضفة، وآخر هذه التصريحات كانت تصريحات بنيامين نتنياهو يوم أمس الثلاثاء بأن "إسرائيل" ستواصل إلى الأبد سيطرتها العسكرية على كامل منطقة غرب النهر. إلا أن الخطة الأمريكية لاتعمل على ما يبدو بهذا الشكل، فترامب رجل الأعمال لايريد أن يعقد صفقة خاسرة وهو يتأكد من إحكام الحبل على كل الأطراف وغرينبلات محامي الشركات المخضرم يجيد المساومات والخدع التفاوضية.

في هذا السياق يمكن النظر إلى الخطة الأمريكية المسربة في التعامل مع شمال الضفة الغربية أولا، مرتبطة ارتباطا وثيقا بسياسة مزدوجة، سبق أن تحدث عنها وزير الحرب الصهيوني تتلخص بـ (العصا والجزرة) في التعامل مع الفلسطينيين موضعيا وليس مع تمثيلهم السياسي.

الخطة التي تريد الولايات المتحدة تمريرها تتعلق بمناطق تم تعليق وضعها منذ انسحاب العدو من غزة عام 2005، وتهدف الولايات المتحدة من نقلها إلى ارسال رسالة إلى العالم العربي بعزمها تحقيق حل الدولتين وهو نقل إذا تم، سيكون جزئيا أن نقل صلاحيات مدنية فقط إلى الفلسطينيين. وهي في الظاهر جزرة يريد ترامب رميها للفلسطينيين لاصطياد السمكة الأكبر على الطريق لعقد صفقة كبرى مع العالم العربي تم التمهيد لها في الرياض.

ويبدو أن الكيان لايريد المضي قدما في دعم المبادرة الأمريكية قبل أن يستكشف حصته في الصفقة الكبيرة القادمة، ولهذا تم احباط جولة المبعوث الأمريكي غرينبلات في شمال الضفة التي كان ينوي القيام بها الخميس الماضي للاطلاع على المناطق المقصودة بالتسليم، ومن الواضح أن حكومة نتنياهو تكذب حين تدعي أنها لاتعلم شييئا عن نقل الأراضي.

غرينبلات لايلعب فقط مع الفلسطينيين بل مع السعودية والإمارات أيضا، وهو يفترض نفوذهما فلسطينيا على ما يبدو، وقد قال أليكس فيشمان، الصحفي الصهيوني في يديعوت أحرونوت أن غرينبلات قدم أوراق عمل تحوي اعادة تعريف لأراضي الضفة الغربية، قدمها إلى الفلسطينيين والسعوديين والإماراتيين ومن المستبعد أن يكون فعل ذلك دون أن يكون نسق الخرائط أصلا مع الجانب الصهيوني، وتهدف المخططات إلى اقناع العالم العربي أن "إسرائيل" مستعدة لتقديم شيء تجاه السلام، ولكن ما هو هذا الشيء فعا، في ضوء المخطط الصهيوني الأخير تجاه القدس ، وإعادة رسم خريطة الأحياء العربية عبر استبعاد شعفاط وكفر عقب مثلا؟

الخطة الأمريكية ترتبط ارتباطا وثيقا بخطة ليبرمان الأمنية لتصفية منابع "الارهاب" على حد زعمه، هذه الخطة التي اطلع عليها الأمريكيون مبكرا، منذ تولي ليبرمان لحقيبته تتلخص كما قلنا باتبا "سياسة العصا والجزرة" مع الفلسطينيين، وتقسيم القرى الفلسطينينية إلى منتجة "للارهابيين" وتسمى النقاط المشتعلة، وأخرى هادئة سيتم مكافأتها.

كان ليبرمان قدم خطته ضد الشعب الفلسطيني أمام  مجموعة من الصحافيين في مقر الجيش الصهيوني في تل ابيب في شهر آب/أوغسطس العام الفائت 2016، وجاءت الخطة كما قال وزير الحرب الصهيوني كرد على "الارهاب الفلسطيني" وتشمل، في جملة أمور، فتح قنوات حوار مباشر بين المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقال الوزير إن مبادرات أخرى ستتخذ مثل إنشاء موقع إخباري باللغة العربية وتخفيف الأوضاع في القرى التي لا تولد الإرهابيين. كما أعلن معارضت الشديدة لإعادة جثامين الشهداء وعلى وجه الخصوص شهداء القدس معتبرا أنها مكافأة للعدو حسب زعمه.

التخلص من الفلسطينيين غير الشرعيين حسب الوصف الصهيوني جاء في عملية موسعة امتدت من المنطقة (ب) إلى (ج) وشملت تبييض وقوننة  20 ألف مبنى فلسطيني في مئات النقاط المتفرقة كلتة تجاه نتنياهو وهي مبان كان صدر 13 ألف أمر هدم بصددها، ويعتبر "الإسرائيليون" أن هذه الخطوة ستكون كافية. ومع ذلك يبدو أن نتنياهو، مع الائتلاف الحالي المتطرف، سيجد صعوبة في تحقيق الحد الأدنى الذي وعدت به الولايات المتحدة للعرب.

في المؤتمر الصحفي ذاته كان ليبرمان صرح  أن 15 قرية ومدينة فلسطينية لا ينطلق منها أي "ارهابيين" سيطلق عليها "قرى خضراء" ستشهد تخفيفا مباشرا للقيود الحالية. على سبيل المثال، ستعزز الظروف الاقتصادية في حين سيتم بناء المناطق الصناعية غرب مدينة نابلس، فضلا عن مستشفى ورياض أطفال. كما سيتم بناء حقول كرة القدم في السامرة كجزء من آلية "الجزرة". وعلى نفس المنوال، قال أيضا إن 15 قرية سيتم وصفها ب "القرى الحمراء"، تلك التي ولدت العديد من "الإرهابيين" خلال العام الماضي. ومن المتوقع ان تواجه هذه القرى "اجراءات امنية مشددة" كما قال وزير حرب العدو. وعلاوة على ذلك، أعلن ليبرمان عزمه على إجراء محادثات مباشرة مع عشرات من المسؤولين الفلسطينيين المؤثرين الذين ينتمون إلى خلفيات أكاديمية واقتصادية لم يتمكنوا حتى الآن من إجراء محادثات مع إسرائيل إلا بتفويض من السلطة الفلسطينية.

على الجانب الفلسطيني يقول الصحفي الصهيوني أن قائمة المطالب التي سلمها الأمريكان للفلسطينيين تبدو مستحيلة: جعل التنسيق الأمني ​​مع "إسرائيل" علنيا، ووقف مخصصات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وكذلك مخصصات عائلات الشهداء، وما إلى ذلك.  كما أن ثمة قائمة أخرى قدمت للسعوديين وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، حيث طالب الاميركيون بتحركات اولية للتطبيع مع "إسرائيل" مثل فتح خطوط هاتفية مباشرة بين البلدين تسمح للإسرائيليين بالقيام بأعمال تجارية في السعودية والسماح للطائرات التابعة للكيان  بالتحليق فوق السعودية في طريقها إلى الشرق الاقصى.

وفي المرحلة المقبلة، يخطط الأمريكيون لعقد قمة في واشنطن، تليها مفاوضات متزامنة بين "إسرائيل" و"العالم السني"، بقيادة المملكة العربية السعودية، وبين "إسرائيل" والفلسطينيين. ويضغط زعماء مقربون من ترامب لعقدها في واشمطن خلال شهر.

يبدو أن رسالة الأمريكيين للفلسطينيين والعرب أيضا: عليكم أن تقبلوا بما نعرضه عليكم، لأننا لو تركنا الأمر لنتنياهو فلن يعطيكم أي شي، هي لعبة الشرطي الطيب والشرير، أو بمصطلحات اعتدنا عليها هنا لعبة اليمين واليسار الصهيونيين، لكنه الوجه القبيح ذاته يختفي خلف القناع، وما بين عصا ليبرمان وجزرة غرينبلات يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة تسونامي التسوية الذي تتعطش له للأسف دول عربية كثيرة. ولن يكون الثمن المدفوع ذي قيمة على أي حال، فقد تم قتل حل الدولتين برصاصة في الرأس وما يجري ليس سوى ألاعيب للتحايل على كيفية دفنها.