Menu

نصف قرن من الحكم العسكري

بوابة الهدف/ ترجمة خاصة

في 7 حزيران / يونيو، قبل 50 عاما، احتلت القوات العسكرية الصهيونية الضفة الغربية وقطاع غزة  وفرضت أحكاما عرفية على السكان الفلسطينيين الذين يعيشون فيهما. وفي ذلك الوقت، كان هذا التدبير قانونيا بموجب اتفاقية جنيف الرابعة (الاتفاقية) التي تسمح باستخدام الأحكام العرفية في ظروف محددة وعلى أساس مؤقت. وحتى يومنا هذا، لا تزال السلطات العسكرية تعتمد على الاتفاقية بوصفها أساس الاختصاص القضائي وتبرير ملاحقة المدنيين الفلسطينيين بموجب القانون العسكري.

وبمجرد إنشاء الأحكام العرفية، بدأ اللواء حاييم هرتسوغ، القائد العسكري في الضفة الغربية آنذاك، إصدار أوامر عسكرية تضبط (تنظم بالمصطلح الصهيوني) حياة الفلسطينيين الذين يعيشون في الإقليم. وخلال خمسين عاما صدر ما يقارب 1800 أمر عسكري، وكثير منها كانت في البداية متوفرة فقط باللغة العبرية وغير متاحة بلغة من تطبق عليهم. وتغطي الأوامر العسكرية نطاقا واسعا من المواضيع بما في ذلك القتل وحيازة الأسلحة وعضوية المنظمات المحظورة ورمي الأشياء بما في ذلك الحجارة والمشاركة في تجمع سياسي أو الوقفة الاحتجاجية أو موكب أكثر من 10 أشخاص يدخلون إسرائيل بدون تصريح، واستخدام الأراضي، وتقسيم المناطق والبناء.

وفي الوقت نفسه الذي فرض فيه القانون العرفي، أنشأت السلطات العسكرية أيضا محاكم عسكرية لمقاضاة أي مخالفات. كما هو الحال مع فرض الأحكام العرفية، فإن الأساس القانوني لإنشاء المحاكم العسكرية هو في الاتفاقية - وهو موقف تمسكت به السلطات العسكرية حتى يومنا هذا. وبعد خمسين عاما، تشير التقديرات إلى أن السلطات العسكرية الصهيونية قد احتجزت ما بين 000 775 و 000 850 فلسطيني، بمن فيهم ما يصل إلى 000 45 طفل (تتراوح أعمارهم بين 12 و 17 عاما). وتشير الأدلة المتاحة إلى أن نحو نصف هذا العدد قد اتهموا ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية، وإن كان من الصعب الحصول على بيانات موثوقة تغطي كامل ال 50 سنة.

ومنذ إنشاء نظام الاحتجاز العسكري، عرقلت الادعاءات بوقوع انتهاكات منهجية والحرمان من الحقوق القانونية المكفولة بموجب القانون المطبق نفسه. وقد أثارت الجمعية العامة للامم المتحدة ووكالات الامم المتحدة ووزارة الخارجية الأمريكية أيضا  وأعضاء الكونجرس الأمريكي والاتحاد الأوربي وحكومات المملكة المتحدة والنرويج وهولندا واستراليا وجماعات المحامين المستقلين والمنظمات الفلسطينية والإسرائيلية هذا الموضوع في عهدد من المرات . وفي عام 2013، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تقريرا خلص إلى أن "سوء معاملة الأطفال الذين يعيشون تحت  نظام الاحتجاز العسكري يبدو منتشرا ومنتظما ومؤسسيا". وفي حين تم تنفيذ بعض التغييرات، لا يزال مستوى الشكوى دون تغيير إلى حد كبير .

وعلى النقيض من النظام القانوني المدني الإسرائيلي، لا توفر السلطات العسكرية أي خدمات مساعدة قانونية للمتهمين في المحاكم العسكرية. ويعتمد المعتقلون  في المحاكم العسكرية إلى حد كبير على المحامين الذين تقدمهم السلطة الفلسطينية أو المنظمات غير الحكومية أو المحامون الخاصون. وتمول هذه الخدمات القانونية في معظمها من قبل عائلة المعتقل، أو من قبل المانحين الأوروبيين والأمريكيين ودافعي الضرائب، مما يعفي الجمهور "الإسرائيلي" من هذه النفقات ويساعد على ضمان الإستدامة المالية للنظام الاحتلالي. وفي تدبير آخر لضمان الإستدامة، يتم تغريم كل فلسطيني مدان في المحاكم العسكرية الصهيونية، وبلغت مساهمة الفلسطينيين بهذه الطريقة  في عام 2011 وحده أكثر من 3.6 مليون دولار في الميزانية العسكرية للجيش الصهيوني.

وبمجرد إدانته وسجنه، يقضي الغالبية الساحقة من الفلسطينيين أحكامهم في السجون الواقعة داخل "إسرائيل"، مما يشكل انتهاكا للمادة 76 من الإتفاقية التي تنص على وجوب أن تكون المحاكم العسكرية والسجون في الأراضي المحتلة. ويعتبر هذا الشرط مهما بما فيه الكفاية بحيث يصنف انتهاكه على أنه جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وتفيد مصلحة السجون الصهيونية أن 84 في المائة من السجناء الفلسطينيين ما زالوا يقضون عقوباتهم خارج الضفة الغربية.

ومنذ إنشاء أول مستوطنة صهيونية في الضفة الغربية في أيلول / سبتمبر 1967، سعت "إسرائيل" إلى تبرير السياسة على أساس أن الاتفاقية لا تطبق بحكم القانون بسبب عدم وجود سيادة واضحة على الإقليم قبل عام 1967. وفي حين أن هذه المحاولة لتبرير بناء المستوطنات تم رفضها عالميا، كما أنها تتعارض مع الحجج التي يستخدمها الجيش الصهيوني لتبرير فرض الأحكام العرفية وملاحقة المدنيين الفلسطينيين في المحاكم العسكرية. ويكمن الخطر في أن هذه السياسة الإنتقائية المتمثلة في اختيار الالتزامات القانونية، تقوض أيضا مصداقية النظام القانوني الدولي الذي أنشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية - مع ما يترتب على ذلك من آثار خطيرة على سيادة القانون تمتد إلى أبعد من المنطقة.

وفي حين أنه لا يوجد بيان قانوني رسمي بشأن ما إذا كان الاحتلال لا يزال قانونيا بعد 50 عاما، فإن مدته، وبناء المستوطنات، وحيازة "إسرائيل" للموارد الطبيعية كلها تشير إلى أن الوضع قد تحول، في مرحلة ما، إلى حكم الضم بحكم الأمر الواقع في انتهاك للمادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة بنتائج بعيدة المدى وغير متوقعة.

 

*كاتب المقال: جيرارد هورتون هو محام ومؤسس مشارك في المحكمة العسكرية ووتش. وقد عمل جيرارد على قضية الأطفال المحتجزين من قبل الجيش الإسرائيلي ومحاكمتهم في المحاكم العسكرية على مدى السنوات الثماني الماضية