Menu

عن النكسة..

تعبيرية

عرفات الحاج - فيسبوك

تذيع قناة الجزيرة في هذه الأثناء فيلم وثائقي يلح في نسب هزيمة العام 1967 لحافظ الأسد شخصياً ويتهمه الفيلم بما يتجاوز التقصير، ويلمح لاعطاؤه أوامر مقصودة أدت للهزيمة وإسقاط القنيطرة، قبل أسبوعين كانت الجزيرة الوثائقية تنسب ذات الهزيمة للراحل جمال عبد الناصر.

في هذا أعي حاجة الجزيرة للتشهير بخصوم قطر السياسيين، ولا أود الخوض بمرافعة لتبرئة حافظ الأسد أو جمال عبد الناصر من المسؤولية عن الهزيمة، فكليهما يتحمل نصيبه من المسؤولية بحكم منصبه آنذاك، ولكن الأهم هو تناول سردياتنا الطوباوية لهزيمة العام 1967 والتي تتمحور حول فرضيات الخيانة والمؤامرة كسبب لهذه الهزيمة المحتومة، نعم محتومة فطبيعة وتشكيلة الجيوش العربية وقدراتها العملياتية آنذاك لم تكن ستسمح لنا بالحصول على أي نتيجة أخرى غير الهزيمة طالما أن الحرب ستخاض بنمط الحروب النظامية التقليدية.

وقائع حرب العام 1973 تؤكد مدى عقم الجيوش العربية قتالياً، والانتكاسة التي واجهتها الجيوش العربية في نهاية هذه الحرب تؤكد بؤس واقع هذه الجيوش وقدراتها، وهو ما تواصل السردية العربية الرسمية والشعبية تبريره بالجسر الجوي الأمريكي وبرغبة السادات بالهزيمة كمدخل للتفاوض، وتتجاهل المعطيات التي تقول أن سلاح الجو المصري كان أعجز من أن يكرر ضربته الجوية الأولى وأنه لولا حائط الصواريخ المضادة للطيران لما حدث العبور بالطبع، وأن الجيش المصري عجز عن حماية منصات الصواريخ المضادة للطيران -ميزته الأساسية في هذه المعركة- لتنال منها القوات الصهيونية بهجومها المضاد عبر ثغرة الدفرسوار، وأن أكثر النقاط حساسية في الجبهة المصرية "المزرعة الصينية" تركت لحراسة كتيبة واحدة من القوات الخاصة لتقاتل ثلاثة أيام ولم يتم توجيه أي إمداد لها، وعلى الجبهة السورية فشلت القوات السورية في تثبيت مكاسبها الميدانية في هضبة الجولان وتمزقت الوحدات السورية المدرعة أمام نظيرتها الصهيونية في حالات الالتحام المباشر (دبابات لدبابات)، هذا كله في حرب كانت لنا ضربة البداية وعنصر المباغتة فيها وليس للعدو، أي أننا لم نأخذ على حين غرة كما ندعي أنه حدث في العام 1967 (كانت كل المؤشرات تشير لاحتمالية وقوع مواجهة عسكرية آنذاك سواء كحرب شاملة أو مواجهة محدودة).

ما أجادل به هنا هو أن الجيوش العربية كانت على درجة كبيرة من التقليدية والنمطية والبطء وانعدام المبادرة وغياب المرونة الخططية، بحيث لو أعيدت تلك الحرف ألف ألف مرة مع إبلاغ مسبق للجيوش العربية بموعد بداية الهجوم الصهيوني1967 لكانت النتيجة لا تختلف كثيراً، وأن السرد العربي حول دور التفوق الاستخباري الصهيوني يمكن تجرعه كنكتة بذيئة في أدبيات الحروب والصراعات، فلا زال فهمنا للتفوق الاستخباري ينحصر بقصص أسطورية حول معرفة أو عدم معرفة موعد بداية الهجوم، وهو عامل يفترض أنه ثانوي جداً قياساً بالادارك الشامل والإحاطة بقدرات الخصم وموارده وتقاليده العملياتية والتخطيطية، وأن اختيار لحظة وموضع وأداة الهجوم بما يحقق عنصر المباغتة هو أمر بديهي في المجهود الخططي لأي عملية حربية.

هذا ليس تنظير للهزيمة أو دعوة لتبني نظريات المهزومين حول دونية الإنسان العربي تجاه نظيره الغربي والصهيوني، فمواجهة فصائل المقاومة العربية والفلسطينية للجيش الصهيوني في 2006 و2008 و2012 و2014، في غزة ولبنان تؤكد أن المشكلة ليست في الجينات العربية ولكن نظم وجيوش نبتت من سياق الوجود الاستعماري واستمرت كتقليد غبي لكل ما هو غربي في التنظيم والإدارة والحرب حتى في ذروة التجييش الثوري لبعض الأقطار العربية.