عيد للموسيقى.. نعم. أطلقته فرنسا قبل 17 عاماً من بيروت وعبرها وفيها مع مبرر واحد يتعلق بالنمط التعددي في لبنان والذي انعكس غنىً على الصعيد الاجتماعي والصورة النموذجية عنه. باريس اختارت لبنان مكاناً لأكبر احتفاليات يمكن تصورها في العالم، بشكل يشمل معظم المناطق اللبنانية دونما استثناء، وفي المؤتمر الصحفي الذي دعت إليه السفارة الفرنسية (في زيتونة باي) مؤخراً بحضور سفراء غربيين وممثلين عن سفارات أخرى، أعلنت عن الأنماط الموسيقية اللاتينية التي سيتم الاهتمام بها في الدورة الـ17 للعيد، مع التأكيد على خصوصية لبنان في دعم ورعاية هذه المبادرة المهمة، وهو السبب الذي جعل اختياره مكاناً ملائماً للاحتفاليات، أمراً صائباً مئة في المئة.
وكم هو رائع حلول ذكرى غياب الكبير "عاصي الرحباني" في الموعد نفسه. هذا الفنان الذي أسس خصوصية للهوية اللبنانية الشرقية الحاضرة في كل المناسبات القومية العربية، بالتعاون مع الكبير الآخر "منصور" والسيدة "فيروز"، واستطاع الثلاثة إثبات تميز محلي عن الحالة الذهبية التي عرفتها القاهرة في الخمسينات من القرن الماضي، ولم تستطع الأذن العربية إلاّ أن تقدّر ما أبدعوه من أغنيات ومسرحيات بأسلوب لم تعهده الساحة العربية على هذا المستوى من الحضور والمضمون الثري والأنغام المختلفة تماماً عن السائد، وكانت الضربة الإيجابية الكبرى ما قدّمه الثلاثة للقضية العربية من أغنيات (زهرة المدائن، سيف فليشهر) ذاعت وانتشرت وتحولت إلى مواد تثري القضية وتحفّز على إبقائها حية في قلوب كل العرب.
هذه الاحتفاليات المبهرة بالموسيقى وكبارها على امتداد لبنان في مناسبتين وموعد واحد، تعطي مساحة احترام وتقدير للبنان الذي جيّش كل طاقات وزارتي الثقافة والسياحة والمركز الفرنسي، مع مكاتب الاتصال في السفارات الغربية العديدة في لبنان، وأعطى فرصاً بالعشرات لتقديم برامج مهرجانية في كل أرجاء البلاد تحكي جوانب متعددة من أنماط الموسيقى المحلية والعربية، إضافة إلى الأجنبية المستوردة والتي تغزو من وقت لآخر أدمغة شبابنا، ثم تعود فتنكفئ على إيقاع تجارب موازية أكثر واقعية وجمالاً.

