المدارس والمناهج هي ساحة معركة أخرى بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، وهي ساحة خطيرة لارتباطها بجيل المستقبل، حامل الرواية وحارسها المفترض، وبالتالي يعتبر العدو أن كسبه في هذه المعركة هو انتصار استراتيجي لايقل أهمية عن كسب معركة عسكرية.
ورغم أن فرض المنهج الإسرائيلي على مدارس القدس يعد اختراقًا لمعاهدة جنيف الرابعة، حيث تنص على أن «الوضع التعليمي في البلاد المحتلة: يقع على عاتق الدولة المحتلة توفير الأجواء التعليمية المناسبة للطلبة دون المساس بمجرى العملية التعليمية، أو منع استمرارها». إلا أن الاحتلال لايعترف بالقدس كمدينة محتلة رغم أنه أيضا لايعترف يسكانها الفلسطينيين إلا كمقيمين مؤقتين وبشروط معقدة. وخرقا لكل الاتفاقات والقوانين تسعى سلطات الاحتلال في القدس لدمج الطلاب الفلسطينيين في المحتوى التعليمي الصهيوني عبر فرض المناهج الدراسية الصهيونية عليهم، وتحاول السلطات الصهيونية تحويل الصراع على المناهج الدراسية في القدس الشرقية إلى المحتوى المالي والحوافز والفرص الجامعية، وتفريغه من محتواه السياسي كقضية وطنية تتعلق بالاحتلال ومناهجه التي يحاول العدو من خلالها تطبيع الطالب الفلسطيني مع الصهيونية وتاريخ الكيان ورموزه وأساطيره بدلا من تاريخه العربي الفلسطيني ولغته ورموزه الوطنية. ولاشك أن المدرسة ومنهاج الدراسة هو ساحة صراع بين روايتين ولغتين وسردين تاريخيين، يسعى الصهاينة لجعله حكرا على روايتهم وتاريخهم المزعوم وسرديتهم التاريخية.
في المعلومات:
تشير احصاءات 2012 إلى أن عدد الطلبة في مدارس القدس الشرقية بلغ حينها حوالي 93 ألف طالب، يتوزعون على 2430 شعبة صفية في 147 مدرسة منها 50 مدرسة تابعة للاحتلال يدرس فيها 42 ألف طالب ونسبتهم 60% من مجموع الطلبة في مدينة القدس الشرقية وتصل نسبة التسرب من تلك المدارس إلى 10% أما مدارس الأوقاف وعددها 38 مدرسة ويبلغ عدد طلابها 6500 طالب وتعد نسبة التسرب من هذه المدارس منخفضة لا تتجاوز 0,9%، أما المدارس الخاصة فتأتي في المرتبة الثالثة من حيث قدرتها على استيعاب الطلبة ويبلغ عدد الطلاب الدارسين فيها 1 14 ألف طالبا ونسبة التسرب هي الأدنى من بين المدارس المنتشرة في مدينة القدس وضواحيها، وفي المرتبة الأخيرة تأتي مدارس وكالة الغوث باستيعاب 20 ألف طالب وتعتبر نسبة التسرب في هذه المدارس هي الأعلى وتبلغ 3,4%. وجميع هذه الاحصاءات تعود للعام 2012.
ويذكر أن 20% من الطلاب يضطرون لللعبور يوميا عبر جدار الفصل العنصري, مما يزيد من معاناتهم ويتحول تدريجيا إلى أحد أبرز أسباب التسرب. وبحسب قسم التربية في مدينة القدس فان 40% من الطلاب لا ينهون تعليمهم الثانوي، حيث يلتحقون في سوق العمل بسبب الوضع الاقتصادي المتردي .
معلومات التربية الصهيونية تقول أن أكثر من ثلث أطفال القدس الفلسطينيي يتسربون من المدرسة الثانوية. مقابل 2% من اليهود، ويعيش حوالى 80 فى المائة من الفلسطينيين فى المدينة تحت خط الفقر، ويعمل 40 فى المائة فقط، معظمهم فى الطبقات الدنيا من سلم سوق العمل، وفقا لما ذكره المكتب المركزى للاحصاء في دولة الاحتلال. وهناك نقص في عدد الغرف الصفية يبلغ أكثر من 1200 غرفة على أقل تقدير حسب احصاءات شباط 2016 مما يؤثر سلبا وبشكل كبير على مسيرة التعليم وجودته وتوسيعه.
بين جزرة التمويل وعصا الإهمال والإفقار
الرنامج التعليمي الصهيوني مناهض للشعب الفلسطيني ولايعترف به وبتاريخه، وهو مبني على أساس الرواية الصهيونية وحدها، فمثلا في مجال الثقافة والأدب فيتحتم على خريج الثانوية العربي أن يعرف عن بياليك (الصهيوني) أكثر مما يعرف عن المتنبي شاعر العربية. و السياسة الرسمية في مناهج التعليم تجذر الشعور القومي في المدارس اليهودية وتحاول في المقابل طمس المضامين القومية في المدارس العربية بحجة السعي لخلق جيل عربي مخلص لإسرائيل بينما الهدف في الحقيقة هو إبعاد الطلاب العرب عن كل ما ينمي لديهم الشعور القومي عكس أهداف التربية اليهودية.
وتعترف سلطات العدو بالفجوة الكبيرة بين المدارس في القدس الشرقية تلك التي تتبنى المنهاج الصهيوني والتي تتبنى المنهاج الفلسطيني، ولكنها تزيف الأسباب، حيث يعود ذلك بالأساس إلى تخلي العدو عن واجباته كسلطة محتلة بزعم توحيد القدس وضمها ولكن دون توفير حقوق متساوية للسكان، فالعدو ضم القدس كأرض ولم يعترف بسكانها الفلسطينيين، ما أدى إلى تمييز منهجي في التمويل والموارد وبناء الغرف الصفية، في ظل تقصير فادح من السلطة الفلسطينية أيضا.
في هذا السياق تعمد السلطات التربوية الصهيونية إلى تقديم اغراءات تمويلية تشجع على تبني منهاجها الدراسي، وسيجد الطلاب الفلسطينيون الذي يذهبون إلى هذا المنهاج بفعل الحوافز المختلفة أنفسهم يمتحنون بأسئلة حول "الآباء المؤسسين لاسرائيل وتاريخ الصهيونية" كما ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية في تقرير لها.
وقالت يديعوت أحرونوت أن الطلاب الفلسطينيين يختارون الدراسة بالمنهاج "الإسرائيلي" لأنه يفتح لهم أبواب الكليات الجامعية في الجامعات "الإسرائيلية" ويسهل لهم الحصول على عمل في الكيان. ولكن لايقول الجانب الصهيوني لماذا لاتتيح المدرسة العربية والتخرج منها ذات الفرص؟ لايمكن الادعاء ؟أ؟ن الفصل العنصري ليس قائما هنا أيضا.
تتبع السلطات الصهيونية أسلوب الجزرة مع المدارس الفلسطينية عبر تقديم المزيد من التمويل والارتقاء بأوضاعها مقابل تدريس المنهج الصهيوني، بينما تعاقب المدارس الأخرى بهدوء عن طريق اهمالها وتركها للفقر والتراجع. ولكن الناس هناك مازالوا صامدين، ويوجد شبه اجماع من قبل جميع المشرفين على قطاع التعليم في القدس المحتلة على رفض الطرح "الإسرائيلي" الذي يمثل سياسة العصا والجزرة من أجل تطويع التعليم لمصالح الاحتلال والسيطرة، وحسب تقرير صهيوني وافقت حتى الآن 10 مدارس فلسطينية عامة فقط فى المدينة من أصل 147 مؤسسة عامة وخاصة على التغيير الذى تم تقديمه منذ العام الماضى، ولم يدرس البرنامج "الإسرائيلي" سوى حوالى 5 الاف من بين 110 الف طالب فلسطينى من المؤسسات العامة والخاصة فى القدس الشرقية حسب احصاء 2017 . . ولكن إلى متى يمكن الصمود؟
تزعم المصادر التربوية الصهيوينة أن الهدف من البرنامج هو هو مساعدة الشباب على اكتساب المؤهلات التي يحتاجونها للعثور على عمل في "إسرائيل" بسهولة أكبر. كما أنه يتيح للكيان فرصة لتوجيه بعض الفلسطينيين بعيدا عن المناهج الدراسية التي تزعم أنها تنتشر مع معاداة السامية والتحريض التي هي الشغل الشاغل لأوساط السياسة الصهيونية حاليا.
ومما لاشك فيه أن تبني برنامج التعليم الصهيوني بما في ذلك مواضيع التربية المدنية والتاريخ "الإسرائيلي" لا يعني فقط تعزيز سيادة دولة الاحتلال هناك كما استبشر زئيف إلكين وزير شؤون القدس الصهيوني «من شأن تدريس المنهج الإسرائيلي في مدارس القدس المحتلة، أن يعزز السيادة الإسرائيلية هُناك» بل يعني في النهاية تطبيع التلاميذ الفلسطينيين مع السرد التاريخي الصهيوني وتجريدهم من روايتهم الخاصة ما يعتبر بالتأكيد السبب الأساسي لامتناع المدارس الفلسطينية عن القبول بهذه الصفقة الاحتيالية وسط قلق من المدرسين والآباء الفلسطينيين. ويطرح أحد أعضاء الهيئات التدريسية الفلسطينة المعضلة بهذا الشكل: يدرس التلاميذ في المنهاج "الإسرائيلي" تاريخ عام 1948 على أنه عام "الاستقلال" وعام انقاذ اليهود من "التيه" بينما في المدرسة الفلسطينية هو عام النكبة وتشريد الشعب الفلسطيني والاحتلال.
وقال رئيس مدرسة في القدس الشرقية رفضت المنهاج الاسرائيلي ان السلطات عرضت ثلاثة اضعاف الميزانية السنوية لكل تلميذ من 500 شيكل الى 1500 كمحاولة لاغراء الإدارة بتغيير المنهاج، وقال مدير فلسطيني آخر: "قدموا لي المزيد من المال، لكنني قلت لا، والآباء هنا لا يريدون ذلك، إنها ليست قصتنا؛ نريد أن نعلم القصة الفلسطينية". ولم تقدم وزارة التربية والتعليم الصهيونية تفاصيل كاملة عن الميزانية الإضافية والحوافز التي تلقتها هذه المدارس، بخلاف تمويل المعلمين الإضافيين وساعات التدريس.
وتقول جمعية الحقوق المدنية في "إسرائيل" وجماعات حقوقية أخرى إن البرنامج تمييزي. ويقولون إن المدارس الفلسطينية في القدس الشرقية تعاني نقصا في التمويل، وينبغي للسلطات الإسرائيلية تمويل كل مدارس المدينة بالتساوي.
أين القدس في رؤية السلطة؟
ولكن أين السلطة الفلسطينية مما يحدث في القدس والقطاع التعليمي على وجه الخصوص؟ ومتى سيكون ملف القدس عموما والتعليم خصوصا على رأس جدول الأعمال، هل هذا ممكن أصلا في ظل إهمال سياسي للقدس، ألم تكن الجريمة أصلا في وضع المدينة ضمن قضايا الحل النهائي، بدلا من جعلها جوهر المفاوضات؟ وإلى متى يمكن للصمود الفردي والمؤسسي المحلي أن يجدي نفعا في مواجهة تسونامي الاستيطان والتهويد الصهيوني. هذه أسئلة لم أجد إجابة عنها في كل التقارير والمقابلات مع المسؤولين الفلسطينيين المعنيين بالقدس مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر مسؤولياتهم السياسية العامة.
وكأن القدس تترك ةحيدة اليوم بين الاهمال السياسي والتجاهل وتضارب القرارات والصلاحيات إن وجدت، وبين هذا كله تذوي القدس الفلسطينية تدريجيا حتى لايجد المفاوضون ما يفاوضون عليه في مستقبل كل الخشية أن يكون قريبا.

