Menu

امكانية بناء حركة ثورية عالمية مناهضة للامبريالية والفاشية والصهيونية

د . عابد الزريعي

شكلت المظاهرات الضخمة التي شهدتها شوارع وميادين مدينة هامبورغ الالمانية  احتجاجا على انعقاد قمة العشرين يومي 7 ، 8 يوليو 2017. نقلة نوعية في اشكال ومضامين الاحتجاج الجماهيري المناهض للعولمة وللقوى الامبريالية التي تحاول اعادة انتاج هيمنتها على العالم.ومناسبة للوقوف امام صورة الامبريالية ذاتها للتدقيق في ملامحها وتحولاتها ، من اجل الصياغة الدقيقة لأدوات التأثير فيها على طريق الانتصار والخلاص من اهم معوق تاريخي انتصب في وجه التقدم الانساني على طريق الكرامة والحرية. وفي هذه الورقة التي تنطلق من واقع المتغيرات الدولية الراهنة سنحاول التركيز على امكانية اعادة بناء الحركة الثورية العالمية المناهضة للامبريالية وأدواتها الوظيفية " الفاشية والصهيونية ". انطلاقا من الوعي بحقيقتين.تؤكد أولهما بان المجابهة الناجعة للامبريالية ترتبط بشكل حاسم بتوفر الاداة الرئيسة لهذه المجابهة والمتمثلة في الحركة الثورية العالمية. وتدرك الثانية حجم وعمق التغيرات البنيوية التي حدثت على تلك الأداة.  فيما يخص تحديدها التاريخي الثلاثي الذي عرف باسم قوى الثورة العالمية : المعسكر الاشتراكي ــ حركات التحرر الوطني ـــ الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية. خاصة في ظل انتهاء وتفكك المعسكر الاشتراكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وانتهاء حركات التحرر الوطني بصيغتها التقليدية. اضافة الى المتغيرات التي طرأت على بنية الحركة العمالية في البلدان الرأسمالية وبروز قوى ديمقراطية وشعبية جديدة. هذا وقد عالجنا الموضوع في العناوين الآتية :

1 ــ الملامح الأساسية للظرف العالمي الراهن. 2 ــ خريطة قوى المجابهة الرسمية والشعبية. 3 ــ موقع حركة التحرر العربية في الحركة الثورية العالمية.

أولا : الملامح الأساسية للظرف العالمي الراهن :

يتسم الظرف العالمي الراهن بملمحين رئيسين:

1 ــ الأزمة البنيوية العامة للرأسمالية العالمية بجناحها الامبريالي. والتي تعبر عن نفسها في أربعة مستويات هي :

أ ــ  المستوى الاقتصادي : حيث اخذت ملامح الأزمة المتمثلة في تراجع معدلات النمو الاقتصادي.في التكشف بدأت منذ صيف 2007.  وبدأ العالم يعاني اثارها منذ  ايلول 2008. وبلغت ذروتها في أزمة الرهن العقاري بأميركا 2008 . ووصلت الى حد انهيار الاقتصاد اليوناني والايرلندي عام 2009 ـــ 2010  وترنح الاقتصاد الايطالي والاسباني وخفض التصنيف الائتماني لفرنسا .

ب ــ المستوى الاجتماعي : المتمثل في ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع منسوب الجريمة. وتفشي العنصرية في مختلف الاوساط الاجتماعية.

ج ــ المستوى السياسي : فشل نظام الاحادية القطبية في ارساء الأمن والاستقرار على الصعيد العالمي. والفشل العسكري في الحروب التي تم شنها لدعم تلك الهيمنة / العراق ــ افغانستان / بروز التناقض وملامح التفكك داخل المنظومة الأوربية حلف الاطلسي والاتحاد الاوروبي. وداخل الولايات المتحدة الامريكية نفسها.

د ــ المستوى الايديولجي : فشل وسقوط المرتكزات الفكرية للعولمة والتي راهنت عليها القوى الامبريالية لفرض هيمنتها  الايديولجية. فكل القضايا الفكرية التي رافقت التقدم الامبريالي على الصعيد الكوني في العقود الاخيرة باتت تفتقد للمصداقية والقدرة على الاقناع.

وفي ومحاولة القوى الامبريالية  الخروج من ازمتها الراهنة نجدها تلجأ الى :

أ ــ الاستعانة بالقوى اليمينية والفاشية. ( اليمين الفاشي في اوروبا. والرجعي ( فنزويلا ــ اوكرانيا ). وقوى الرجعية المحلية وقوى الارهاب التكفيري في الفضاء العربي والأفريقي وتتطلع الى مجالات اخرى / روسيا ــ الصين ــ اللاتينية .

ب ــ إعادة انتاج الصيغة الاستعمارية خاصة في الوطن العربي من خلال تفكيك الدول الوطنية، لصالح الكيان الصهيوني اداتها الوظيفية.  / لتصبح التبعية للمركز الامبريالي تمر عبر التبعية للطرف الوظيفي / الكيان /.  بالسماح له بالتمدد عن طريق التطبيع.

2 ــ  بينما يتمثل الملمح الثاني في بدء تشكل نظام عالمي جديد متعدد القوى والأقطاب على الصعيد الدولي.

وفي هذا الجانب يلعب الجناح الرأسمالي غير الامبريالي دورا حاسما في عملية التشكيل. من خلال ظهور تحالفات سياسية وتكتلات واليات اقتصادية جديدة : منظمة شنغهاي ــ بريكس ــ بحر قزوين . ( روسيا ــ ايران ـ الصين ــ البرازيل .. الخ ). وبروز مقاومة شرسة للهيمنة الامبريالية ( محور المجابهة = محور المقاومة + روسيا ). وقد كان لهذه المقاومة خاصة صمود سوريا دورا رئيسا في توفير الظروف لميلاد النظام الجديد. وحركة نضالية جماهيرية في البلدان الرأسمالية ( اوروبا ــ امريكيا ) ومقاومة شرسة في امريكيا اللاتينية وإفريقيا. ووجود مناخ اوسع للقوى التي حافظت على موقعها وموقفها المناهض للقوى الامبريالية مثل كوريا الشمالية وكوبا.

ثانيا : خريطة القوى المناهضة للامبريالية:

لقد ترتب على واقع الأزمة الامبريالية واصطدامها بالمواجهة على المستوى الكوني ظهور قوى ثورية واجتماعية ودولية جديدة. دخلت المعترك الثوري والمناهض للامبريالية وان بدرجات متفاوتة ومختلفة. وفي هذا المستوى نستطيع ان نتحدث عن ملامح تشكل حركة ثورية جديدة من حيث القوى والمهام والتحالفات والتناقضات.

أولا : قوى المجابهة الشعبية : والتي أخذت تتشكل من القوى الديمقراطية والعمالية من داخل النظم الرأسمالية الامبريالية ، كرد فعل على الأزمة الاقتصادية والانعكاسات الاقتصادية السلبية للعولمة وصعود اليمين المتطرف والفاشي في ظل الأزمة العامة. ومن القوى التي تناضل ضد التبعية ومن اجل الاستقلال الاقتصادي والسياسي بوصفها الوريثة لحركات التحرر الوطني خاصة في بلدان العالم الثالث. ومن القوى التي حققت بعض الانجازات الثورية في ظل نظام الاحادية القطبية وباتت في موقع الدفاع المستميت من اجل حمايتها من الانقضاض الامبريالي الرجعي في امريكيا الجنوبية. ومن القوى التي واصلت نضالها على مدى قرن كامل من اجل الوحدة والتحرير وضد التبعية متمثلة في حركة التحرر العربية ومن ضمنها الجناح الفلسطيني. ان قوى المجابهة الشعبية هي الاكثر قابلية للشروع في بناء حركة ثورية عالمية مناهضة بشكل عميق للامبريالية وأدواتها الوظيفية. بما يترتب على ذلك من طرح جملة من القضايا تتلخص في اربعة :

1 ـــ العلاقة بين هذه القوى المتنوعة من حيث التركيب والانتشار الجغرافي. الأمر الذي ينفي صيغة البناء التنظيمي الضيق ويفرض صيغة الجبهة العالمية الواسعة، والتي يمكن الوصول اليها عبر بناء الصيغ الاضيق على المستوى ال قطر ي او الاقليمي.

2 ـــ قوى الخصم : والذي يمكن تحديد تركيبته على ضوء الوعي بالطرف الامبريالي المهيمن والقوى التي يلجأ اليها في محاولته للخروج من ازمته البنيوية وإعادة انتاج ذاته. على ضوء ذلك يتحدد معسكر الخصم في : القوى الامبريالية العالمية وأدواتها الوظيفية الراهنة ممثلة في    ــ قوى اليمين الفاشي ـــ الرجعية بجناحيها التكفيري والطائفي والبرجوازي التابع  ـــ الحركة الصهيونية. وهنا من المهم الانتباه الى ان الحركة الصهيونية وعلى الرغم من طابعها الوظيفي إلا انها تحتل موقعا متقدما في هذه المواجهة لأنها : 1 ــ تقوم بدور الداعم والمستفيد من صعود اليمين الفاشي في اوروبا والإرهاب التكفيري في المنطقة العربية. 2 ــ كقوة تمارس التطهير الحضاري والثقافي للشعب الفلسطيني. 3 ــ كطرف يعمل على خلق تبعية جديدة في المنطقة العربية لمصلحتها. 4 ــ كعامل توتير على الصعيد الدولي ومتجاوز للقانون.

3 ــ التحالف : على ضوء قراءة ملامح الوضع العالمي في صيغته الراهنة فان  قوى المجابهة الرسمية تشكل حليفا موضوعيا لقوى المجابهة الشعبية في اللحظة الراهنة. وهي مجموعة الأنظمة المنخرطة في عملية انتاج عالم متعدد القوى. وتمثل خريطة واسعة اقتصاديا وايديولجيا. رأسمالية ـــ اشتراكية ــ  . / روسيا ــ الصين ــ كوريا الشمالية ــ فنزويلا ــ كوبا ــ ايران. اخذين بعين الاعتبار مستويات القرب بين بعض تلك الانظمة وقوى المقاومة الشعبية.

4 ــ المهام والوسائل : تتلخص المهام المطروحة امام حركة الثورة العالمية في مجموعة من العناوين الكبرى ـــ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ـــ والتي يمكن صياغة تفاصيلها من خلال ظروف تشكل تلك القوى والواقع الموضوعي لكل منها. اضافة الى وضوح الموقف بشأن معسكر الخصم وقوى التحالف. كما تتسع مروحة الوسائل النضالية بما يتفق والواقع الموضوعي لكل قوة مع ضرورة الانتباه لصياغة الحملات المشتركة ذات الطابع العالمي وحسب مقتضيات الظروف.

ثالثا : موقع حركة التحرر العربية في حركة الثورة العالمية :

تحتل حركة التحرر العربية وفي طليعتها حركة التحرر الفلسطينية موقعا متقدما في الحركة الثورية العالمية. للأسباب الآتية :

1 ــ  نوعية المهام : ان حركة التحرر العربية تخوض نضالها في النقطة الرئيسة التي تتقاطع عندها عناصر القوة والضعف بالنسبة للامبريالية " المستعمرات ". الأمر الذي يطرح عليها التصدي لانجاز ثلاثة مهمات رئيسة هي : 1 ــ تحرير الأراضي العربية المحتلة. 2 ــ بناء الوحدة العربية / بغض النظر عن الصيغة / بناء دولة الأمة العربية وفي هذا السياق الدفاع وحماية الدولة الوطنية من التفتيت في اللحظة الراهنة. 3 ــ الغاء التبعية الاقتصادية والسياسية.

 2 ــ نوعية المواجهة : المهام الثلاثة لحركة التحرر العربية تجعلها في حالة تصادم مباشر وشامل مع القوى الامبريالية وأدواتها الوظيفية قياسا لكل فصائل حركة الثورة العالمية. وفي اشتباكها المباشر مع الحركة " الصهيونية " بما يعنيه ذلك من ارتباط بكافة الاهداف التي تناضل فصائل حركة التحرر العالمية من اجلها.

3 ــ نوعية الوسائل : تنوع وشمولية خريطة الاشكال النضالية المرتبطة بانجاز الاهداف المشار اليها فهي الوحيدة المؤهلة لممارسة الكفاح المسلح اضافة الى الاشكال الجماهيرية على تنوعها قياسا لفصائل وقوى حركة الثورة العالمية في اللحظة الراهنة. اي انها الوريثة القانونية لنضال حركة التحرر الوطني.

يترتب على ذلك

اذا كانت تلك المهام المرتبطة ايضا بإستراتيجية الموقع  تدفع بحركة التحرر العربية القيام بدورها كطليعة لحركة التحرر العالمية ، فان ذلك يفرض مجموعة من التحديات البرنامجية الفكرية التي تشكل شرطا لازما للصعود الى مستوى الدور المشار اليه وهي :

 1 ـــ ان المسألة القومية تشكل مضمون حركة التحرر الوطني.

2 ــ  انجاز ثلاثة تجاوزات فكرية واعية تتمثل اولا تجاوز الطرح اليميني التقليدي للفكرة القومية. ثانيا تجاوز الطرح اليساري التقليدي في نفيه للفكرة القومية. ثالثا تجاوز الطرح الليبرالي المرتبط بفكرة العولمة والقائم على التفتيت الداخلي. 

3 ـــ اعطاء الفكرة القومية بعدها الاجتماعي والإنساني الأممي. 

4 ــ الربط المحكم بين الوطني والقومي على ارضية ان البرنامج القومي بطابعه الوطني والبرنامج الديمقراطي.

5 ــ تقديم  حل ديمقراطي للمسألة اليهودية من خلال دولة فلسطين العربية الديمقراطية.   

ختاما :  في فلسطين تتقاطع كل خيوط النظام الرأسمالي العالمي وأدواته الوظيفية . وفيها يرتسم ميدان المعركة الرئيس ضد القوى الامبريالية والرأسمالية. ومنها يمكن الانطلاق بالفكرة من اجل اعادة بناء حركة الثورة العالمية على اسس جديدة واضحة المعالم.