لا يمكن تناول الغناء في فلسطين بعيداً عن كونه خيار سياسي، سواء لمنتج المحتوى السمعي أو مستمعيه، ففي النهاية حينما تختار ألا تتناول السياسة فيما تغنيه أو تسمعه فأنت تقوم بانحياز سياسي، لاعتبارات عدة قد يكون بينها الاحتجاج على الحالة السياسية وهذا أيضا فعل سياسي.
من هذا المدخل زحفت التعبيرات السياسية للغناء الشعبي الفلسطيني منذ بدايات الصراع مع المشروع الصهيوني، ذلك دون تنظيم أو تخطيط لهذا الحضور، بل كأحد التعبيرات واسعة النطاق آنذاك عن تفاعل الفلسطيني مع الضغط الذي يُواجهه من المشروع الصهيوني الاستيطاني، إلا أن التسيس الكامل للغناء في فلسطين قد جاء إثر تشكل الفصائل الفلسطينية، ما بعد العام 1965، وبالتالي يمكن الحديث منذ هذا التاريخ عن لون من الأغنية الفصائلية من حيث منشأها حتى وإن كان تنوع محتواها بما يتجاوز الفصيل الذي أنتج بشكل مباشر أو انتجت بيئته المناصرة ومؤيديه هذه الأغنية أو تلك.
وفي وقت مبكر من عمر هذه الفصائل وتحديداً منذ دخولها في منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها لها، استحدثت المنظمة وفصائلها أذرعها الغنائية، كأي أداة أخرى أو جسم من أجسام العمل التنظيمي، وعلى غرار التعامل مع معظم هذه الأجسام التي تحولت تدريجياً من تجربة ثورية متمردة لجهاز بيروقراطي، فإن الغناء والأذرع الغنائية عاشت ذات التحول، لتصبح أداة من أدوات ضبط المزاج العام وتلقينه بما ترغب به القيادة السياسية.
العنوان البارز لهذه المرحلة كانت الفرقة المركزية لمنظمة التحرير " فرقة العاصفة"، والتي حملت هوية فتحاوية واضحة في منتوجها الغنائي، إلى حين إنشاء فرقة العاشقين التي اتخذت وجهة أقل التصاق بحركة فتح وأوسع من حيث تقديمها لذاتها كصوت متناغم مع منظمة التحرير، يغني لمعاركها وانتصاراتها وانكساراتها، ويتخذ موضعه كأحد مكونات وتعبيرات الهوية الوطنية الفلسطينية، بإعادة تشكيلها للتراث ومزجه مع الرموز السياسية والكفاحية لتلك الحقبة، حظت تلك الفرق بدعم مالي من القيادة الفلسطينية، وغنت أمامها في مختلف المناسبات الوطنية، فتسجيل الفيديو الخاص بـ"حفلة عدن" كان يتداول بين أيدي الفلسطينيين باعتباره قطعة من وطنهم وليس كحفل غنائي، خصوصاً في ضوء تجاور قيادات منظمة التحرير في مقاعد الصف الأمامي لهذا الحفل.
فيما كان اليسار الفلسطيني في تلك المرحلة يجد تعبيراته الغنائية في الفنانين العرب الذين غنوا لقيم اليسار في مرحلة المد الثوري، هذه القيم حملتها أصوات الشيخ إمام وسميح شقير ومارسيل خليفة، وخالد الهبر، وحتى زياد رحباني، التي تلقاها مناصري اليسار الفلسطيني باعتبارها تخصهم، فيما تلقتها شريحة أوسع من الفلسطينيين باعتبارها تخص فلسطين.
ذلك كله كان في ظل اعتبار الفرق الغنائية والقيادة من خلفها الجماهير الفلسطينية في الداخل المحتل، جمهور ينتظر التحرير ويساند المنظمة، ولا تنتظر منه الكثير فيما يتجاوز فعل التأييد، ولكن انحسار المنظمة والفصائل عن بيروت ودول الطوق العربي، وإخراج قواتها من دائرة الاشتباك العسكري المباشر مع الاحتلال الصهيوني، كان كفيل بتغيير الكثير.
نوستالجيا الانتفاضة "الفردوس الوطني":
في العام 1989 أعلنت سلطات الاحتلال الصهيوني في فلسطين أنها اعتقلت من اعتبرتهم قادة الانتفاضة، بعد أيام قليلة صدر "نداء رقم 12"، معلناً كذب ادعاءات الاحتلال واستمرار الانتفاضة، بعد أيام أخرى معدودة كانت أغنية "ايد بتخلع جواسيس" لفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية تنتشر عبر شرائط الكاسيت المهربة بين نشطاء الانتفاضة وجمهورها.
فضلاً عن كون الحدث أحد تعبيرات انتقال الفعل النضالي الفلسطيني للداخل إبان انتفاضة الحجارة، وحضور نماذج النضال الشعبي الأكثر تشعباً، وأقل مركزية من ذاك النموذج المركزي الذي أرسته منظمة التحرير الفلسطينية ومنظومتها البيروقراطية التي صبغت كل منتوج المنظمة على شاكلتها وربطته بها. الحدث والأغنية تبقى أحد أبرز الأمثلة على تحوّل الأغنية من التبشير بالثورة أو الغناء لها للضلوع فيها كأداة تنظيمية، هذا هو حال جملة من الأغاني التي أنتجها نشطاء منخرطين فعلياً بالانتفاضة والفصائل الفلسطينية المشاركة فيها، هؤلاء قدموا عبر أغانيهم التي سجلت بطرق بدائية وفي ظل الملاحقة من الاحتلال، قدموا برنامج سياسي واشتقاقات للأجندة النضالية اليومية المطلوبة ضمن هذا البرنامج.
هذه الفرق تكاثرت كخلايا الانتفاضة وامتداد مساحة اشتعالها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوزعت على أطياف اللون الفصائلي السائد آنذاك، لم تكن جزء من خطة مركزية ولكن تعبير عن حاجة النشطاء لأدوات عمل، بجانب كونها انعكاس لهوية الانتفاضة وروحيتها الإبداعية والمتمردة.
لم يتبقى الكثير من إرث هذه المرحلة قياساً بما أنتج آنذاك، جزء كبير من الأغاني لم يُسجل حين قدم في مهرجانات وطنية، أو أعراس، وكاسيتات كان الاحتلال يعاقب من يحوزها، تماماً كمنشورات الانتفاضة، والأعلام الفلسطينية، الذاكرة الفلسطينية لا زالت تستعيد هذه الأغاني كضرب من الحنين لفترة تكرست كأمثولة مقدسة لما يجب أن يكون عليه العمل الوطني الفلسطيني، الفردوس النضالي الفلسطيني المفقود، الذي اتاح للفلسطيني في الداخل دور أكبر بكثير من التصفيق لقيادته وتشكيلاتها العسكرية المنسحبة من دول الطوق.
رغم الطابع المشترك من ناحية أسلوب الانتاج وبساطة الأدوات المستخدمة في معظم هذه الأغاني، وكذلك وجود قواسم وطنية وبرامجية مشتركة تحملها هذه الأغاني، إلا أنها عبرت عن نوع من الجدل السياسي في النقاط المختلف عليها فصائلياً حول أهداف الانتفاضة.
الحالة الطلابية النشطة في جامعات الوطن وخصوصاً جامعة بيرزيت كانت تتفاعل في تصوراتها الوطنية مع أفكار اليسار والتمرد على الامبريالية وأدواتها بفترة الثمانينات، وهو ما حولها لدفيئة، قدمت كادر ثقافي وفني لعب أدوار تنظيمية متعددة في فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بمجرد هبوب الانتفاضة، وكانت مهرجانات الجامعة مناسبة لإطلاق أغاني جديدة في ذات السياق، وكذلك طلبتها الذين توزعوا على التجمعات المختلفة في الضفة والقطاع، من بين هؤلاء كان أعضاء فرقة "جفرا" المكونة من نشطاء متماهين مع حزب الشعب، التي قدمت ألبومها "دولة" تعلن فيه رؤيتها للدولة الفلسطينية ولدور الانتفاضة كأداة لإقامة هذه الدولة، ليكون ألبومها الوحيد والأشهر آنذاك إذ سرعان ما طالت الاعتقالات أعضاء هذه الفرقة، ما عطل مسيرتها، لكن أغاني هذا الألبوم لم تذهب لزنازين الاحتلال، و"شدي انتفاضة" تسربت في كاسيتات خبأتها شقوق احجار "البلوك" في كل بيت فلسطيني.
على مسافة من "جفرا"، حملت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية برنامج أقل تفاؤل بمشروع الدولة، و "المؤتمر الدولي"، وكانت أكثر تقدير للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة "رمز لها اختصاراً "قاوم" وكانت من نشطاء الداخل" قياساً بجفرا التي ركزت على شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، هذه المسافة هي ترجمة فعلية للمسافة الفاصلة بين مواقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وبين القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأهم كانت امتداد لإرث من النقد الحاد لقيادة المنظمة اسسته جفرا قبل الانتفاضة منذ انطلاقتها "حكاية راويها"، وحين أكدت أغاني جفرا على "ما معهم سلاح"، في إشارتها للمنتفضين كانت الفنون تقول "استمدوا القوة من تشي غيفارا".
استنادا لذاكرة من خبروا هذه الحقبة يمكن القول أن الفنون لم تكن الأكثر رديكالية بين نظيراتها في اليسار، فعلى يسارها وبمنحى أكثر عنفية وشعبوية كانت فرق "أشبال الظاهرية"، و"الدهيشة" و"الجنوب"، هذه الفرق التي اختفى معظم موروثها كتسجيلات غنائية وأن كان بعضه لا زال يحضر في هتاف المواجهات والتظاهرات.
هواجس قيادة منظمة التحرير وقلقها من بروز قيادة بديلة في الداخل الفلسطيني المحتل، عكستها الأغنيات التي أنتجها نشطاء حركة فتح في الداخل، ولكن أحد أكثر التعبيرات بروز عن هذه الهواجس كانت أغنية قدمتها فرقة "أشبال الحرية" التابعة للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين. "وينك حرس حدود"، التي قالت بوضوح عمن يرغب ببديل عن منظمة التحرير "عميل ورجعي".
في الأعوام الأخيرة للانتفاضة كان معظم أعضاء هذه الفرق قد باتوا في زنازين الاحتلال، بذات السرعة التي استعادت فيها قيادة منظمة التحرير وقيادات الفصائل المنطوية فيها السيطرة على الحالة التنظيمية في الداخل وإعادة ربطها بمركز القيادة، كانت القيادة تمول الأغاني في الداخل لتكريس تمجيد الأجنحة العسكرية الناشئة حديثاً للفصائل، فتسابقت الجبهة الشعبية وحركة فتح في تمويل مطربين أفراد للغناء لمطاردي النسر الاحمر "جبهة شعبية"، وصقور فتح "فتح".
وإذا كنا في هذا المقال سنتجاوز عن التفصيل فيما يتعلق بتطور "أناشيد" حركة حماس لاعتبار تناولها في مادة الزميل براء عياش "......" ، فانه لا مناص من الالتفات لسمة هامة مثلتها تلك الاناشيد المخصصة لكتائب الشهيد عز الدين القسام، حيث غنت القيادة " المبعدين لمرج الزهور"، للمقاتلين الميدانيين صغار السن من مطاردي الكتائب
في أقصى الهامش في الداخل المحتل، كان هناك صوت نايف أبو عياش المطرب الشعبي الذي غنى لصقور فتح، ولكنه أيضاً أرسل انتقادات لاذعة في أغانيه أزعجت "الكوادر" والقيادات المحلية للحركة ما استدعى "ردعه"، حينما تحدث عن "التجارة بالوطن" و"كروش النصابين".
السلطة على الغناء:
سرعان ما تمت إعادة مركزة الأغنية السياسية في فلسطين، مع نشأة السلطة الفلسطينية التي قدمت لونها الغنائي الجديد عبر مجموعة من الأغنيات حاكت فيها تلك التي تنتجها المنظومات الدعائية للنظم العربية الحاكمة، فمن جهة ترافعت هذه الأغاني عن اتفاقية اوسلو، ومجدت القائد والزعيم الأوحد "اسمه ابو عمار ووجهه شمس النهار"، وتحدثت عن مرحلة البناء، وضخمت مكانة وأهمية غزة واريحا المدن التي انسحب منها الاحتلال بموجب ذلك الاتفاق، في أغاني جرى تقديمها على نمط الفيديو كليب عبر التلفزيون الرسمي للسلطة الفلسطينية آنذاك.
مع اندلاع انتفاضة الأقصى 2000م، لم تكن البنى الفصائلية قد تعافت مما أحاق بها في سنوات أوسلو، وهو ما دفعها للاعتماد على المغنيين المحليين مدفوعي الأجر لتلبية احتياجاتها الفنية، ورغم وفرة الإمكانيات الفنية قياساً بتلك التي استخدمها نشطاء انتفاضة الحجارة في أغانيهم، فإنها لم تسعف هذه الفصائل لتشكيل فرق خاصة بها أو في محيطها، باستثناء تلك التابعة لحركة حماس، في هذه المرحلة لم تعد للكلمات أو الألحان قيمة تذكر، فعملياً يجري إنتاج الأغنية بناء على طلب من هيئة تنظيمية محليّة للهيئة الأعلى الذي تحيل الأمر لفنيين يقومون بالتعاقد من المختصين لتسجيل الأغنية المطلوبة مقابل الكلفة المحددة.
باتت ملامح الأغنية الجديدة واضحة، فكلماتها يجب أن تتضمن اسم الفصيل وتكرره لأكبر قدر ممكن من المرات، وإذا أمكن سرد أسماء قيادة ورموز الفصيل، وهنا لا مكان لذكر اللحن فهو قالب جاهز يتم إسقاط الكلمات التي تجري كتابتها على عجل عليه، ويُفضل أن يتم التعاقد مع مغني شهير أو محبوب لاعتقاد المختصين لدى الفصائل بأن هذا يعزز شعبية الفصيل، فالمطرب الفلسطيني محمد عساف غنى تقريباً لمعظم الفصائل الفلسطينية قبل فوزه بجائزة "عرب ايدول".
" حروف العزة. ألوية الناصر صلاح الدين".
كتائب الشهيد أبو علي مصطفى
على نفس العهد "كتائب الشهيد احمد ابو الريش" .
لون آخر أكثر فجاجة ظهر في هذه الحقبة، فمع احتلال "سيارة الاذاعة" موقع الهتاف الجماهيري الجماعي، في المسيرات الوطنية ومواكب تشييع الشهداء، أصبح هناك ضرورة لإنتاج اغنية خاصة باسم كل شهيد كتعبير عن تقدير الفصيل للشهيد وذويه وزملائه أو رفاقه في الهيئة الحزبية أو الوحدة العسكرية التي نشط بها قبل استشهاده.
ذلك مع استثناء حركة حماس التي حافظت على تجربتها في تكوين فرقها الفنية الخاصة، واستفادت من تجربة حزب الله اللبناني في نماذج من الأغاني الخاصة بتمجيد الفعل المقاوم للحركة أنتج كثير منها في لبنان "ألبومات فرقة الوعد"، وفي النماذج الغنائية التي تقدمها الفرق المحيطة بالحركة يبدو واضحاً إلى أي مدى حلّت فكرة القوة العسكرية واستعراضها محل الكلمات المعبرة عن مبادئ الحركة، هذا ينعكس على اللحن والإيقاعات المستخدمة، وكذلك طبيعة الخامات الصوتية للمغنيين وطريقتهم في الأداء، وبشكل أكبر في المحتوى الصوري للفيديو كليب.
السياق السائد برمته يحمل سمة غالبة وهي إخراج الغناء من حيز كان يعتبر فيه فعل نضالي، إلى حيز بات فيه عمل فني يتم توكيله لموظفين أو متعاقدين حسب الحاجة، وهو ما يقدم نماذج لا من أغاني لا تعمر طويلاً في ذاكرة المستمع وبالتأكيد لا يمكنه الحنين لها، بعد نزول الألبوم التالي.
الصورة ليست قاتمة لهذا الحد، فمع استشهاد باسل الأعرج أمكننا اكتشاف أن تلك الشبكة من النشطاء الذين يتشاركون قيم وطنية مناوئة لمشروع التسوية ويمكنهم تنفيذ أنشطة مشتركة في هذا الإطار تتجاوز اختلاف انتماءاتهم الفصائلية، أمكنهم تأبين الشهيد ببعض الأغاني التي يمكن تذكرها، وبذات البساطة والإبداع المُعتمد على الذات على غرار ذاك الفردوس المفقود.

