انعقاد المؤتمر الوطني الأرثوذكسي في مدينة بيت لحم هو خطوة إيجابية، ذلك أنه انعقد تحت شعار: دعم القضية العربية الأرثوذكسية في فلسطين، «فأوقاف الكنيسة الأرثوذكسية قضية أرض ووطن وانتماء وهوية». لقد انعقد المؤتمر بمشاركة حاشدة من محافظات الضفة الغربية، وخصوصاً من مدينة القدس المحتلة والداخل الفلسطيني في منطقة 48، بحضور شخصيات رسمية ووطنية واعتبارية، وشكّل المؤتمر بالفعل انعطافة تاريخية في نضال العرب الأرثوذكس للدفاع عن حقوقهم التي سلبها وفرّط فيها البطاركة اليونان.
نظّم المؤتمر المجلس المركزي العربي الأرثوذكسي في فلسطين والأردن، والحراك الشبابي الأرثوذكسي بالشراكة مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لوضع رؤية استراتيجية شاملة وعميقة تعيد حقوق أبناء الكنيسة العربية الأرثوذكسية ومكانتها الوطنية والقومية، ووضع آليات عمل جديدة للنهوض بأوضاع العرب الأرثوذكس في فلسطين وخارجها.
كان المطران عطا الله حنا صريحاً بتأكيد ما كان متداولاً في أروقة المؤتمر الوطني لدعم القضية العربية الأرثوذوكسية، إذ قال: «مورست علينا ضغوط كي لا نحضر المؤتمر»! وقد لُمس اعتذار البعض عن المشاركة أو التغطية الإعلامية للمؤتمر. جهات رسمية عدّة بالطبع مارست الضغوط لإفشال المؤتمر، ولكنها باءت بالفشل الذريع، وهي ستظل تحسب له حساباً في قادم النضال العربي الأرثوذكسي. وقد أكد المؤتمر في بيانه وتوصياته على العمق الوطني للنضال الفلسطيني ضد ممارسات البطريركية ومن يقف على رأسها، وضد البطانة التي تلتف حولها من المستفيدين، وذلك دفاعاً عن أملاك الكنيسة باعتبارها وقفاً وطنياً لا يجوز التفريط فيه تحت أي ظرف أو مبرر أو ذريعة، كما حصل في السنوات القليلة الماضية، حين لجأ البطاركة الأرثوذكس، الحاليين وبعض السابقين إلى بيع آلاف «الدونمات» في العديد من المواقع، بما في ذلك القدس للعدو الصهيوني، تحت مبررات أقل ما يقال عنها إنها ليست صحيحة. أيضاً فإنه في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية لم يعيّن بطريركاً عربياً مطلقاً، بل يجري التعيين من اليونان لبطاركة يونانيين! بمعزل عن وجهة نظر رجالات الدين الأرثوذكس العرب!.
لذلك، فإن الدعوة لاعتبار ملف الأوقاف الأرثوذكسية المباعة للاحتلال ملفاً وطنياً ضمن ملفات منظمة التحرير (كالقدس واللاجئين والأسرى) هي دعوة صريحة لتتحمّل مؤسسات منظمة التحرير مسؤولياتها، رغم إدراكنا للعجز الذي يطبع عمل هذه المؤسسة، وأن تأخذ مسؤوليتها الوطنية في حمل هذا الملف وتبنّيه. فما يكسب هذا المطلب أهميته أن فصائل منظمة التحرير هي من تبنّى الدعوة للمؤتمر بالشراكة مع المجلس الأرثوذكسي والحراك الشبابي. لذا من باب أولى أن تسعى المنظمة إلى وضع ذلك الملف على طاولة اللجنة التنفيذية، وتلك مسؤوليتها الوطنية أولاً وأخيراً، خاصة أن بعض أوساط اللجنة التنفيذية سعت لعرقلة أعمال المؤتمر بمختلف الطرق، ولا تملك في جعبتها سوى التبرير لسلوك البطريرك الأرثوذكسي ببيع الأوقاف التابعة للكنيسة والتغطية عليه!.
بصراحة، هذا الموقف اللا مسؤول واللا وطني يثير استغراب الجماهير الفلسطينية والعربية! فكيف بمن هو مفترض فيه أنه وطني فلسطيني، أن يوافق على بيع البطريك أراضي فلسطينية (وليست يونانية!) لعدو يصادر الأراضي الفلسطينية يومياً من أجل استيطانه؟! كيف لوطني فلسطيني أن يبرر للبطريرك بيع مبان وأراض تاريخية في وسط القدس للصهاينة، مع العلم أن العدو يقوم بتهويدها ويسميها «العاصمة الموحدة والأبدية ل «إسرائيل»»؟.
لقد أكد بيان المؤتمر الختامي أن «الدفاع عن الوقف العربي الأرثوذكسي من النهر إلى البحر حق مقدس، ولا يندرج تحت أية تفاهمات سياسية». هذا الموقف الوطني الفلسطيني العروبي جاء رداً على الأصوات التي حاولت وتحاول التنصّل من معركة الدفاع عن الأرض تحت مبرر أن البيوعات بمعظمها تتم داخل دولة الاحتلال الصهيوني ! وكأن لا شأن لتلك الأصوات بالأرض الفلسطينية في منطقة 48، انسجاماً مع اتفاقيات أوسلو المدمّرة والكارثية.
إن إعلان المؤتمر عزل البطريرك ثيوفولوس والدعوة لمحاسبته انسجاماً مع الشكوى المقدمة ضده للنائب العام الفلسطيني، يعني أن المستوى الوطني والمؤسساتي والشعبي الممثل في المؤتمر، أكد رفضه لاستقبال البطريرك في أية مناسبة، كدعوة تتكرر للاحتجاج على بقائه في منصبه هو وبطانته بعد فضائح البيوع. كما يعني دعوة المستويين الرسميين الأردني والفلسطيني إلى سحب الاعتراف به، والعمل على تعيين بطريرك أرثوذكسي عربي جديد.
لقد أكد المؤتمر في بيانه الختامي، إدانة المؤتمرين ورفضهم ومحاربتهم لأية دعوة لتجنيد المسيحيين في جيش الاحتلال، أو إسباغ أية صبغة إثنية أو شوفينية أو دخيلة على إيمان وعروبة المسيحيين في هذه الأرض المقدسة. وطالب البيان البطريركية بتسليم كافة وثائق عقود الإيجار طويلة الأمد التي تم إبرامها منذ الانتداب البريطاني، وكذلك كل الصفقات التي وقّعها بابا ديمس والتي أخفتها البطريركية، وكامل الصفقات التي أبرمها ثيوفيلوس، إضافة إلى كافة وقائع جلسات المحكمة المتعلقة بقضية باب الخليل، وقضية «همينوتا» للجنة المتابعة، وانتداب محام يعيّن من قبل لجنة المتابعة، لحضور جلسات المحاكم وخاصة قضية «رحافيا» - بلدية القدس وقضية باب الخليل.

