قضية" تل السكن" الأثري في قطاع غزة تعكس جملة من الإشكاليات الجذرية، تتجاوز بكثير موضوع التعامل الحكومي الرديء مع هذه المنطقة الأثرية منذ ما قبل العام 2000، وتتجاوز كذلك التمادي الكبير في إلحاق التدمير في هذا المكان.
تطرح القضية أولاً، إشكالية هوياتية عن علاقة الانسان بالأرض الفلسطينية، خصوصاً من أولئك البشر الفلسطينيين الذين يمسكون بمواقع المسؤولية، التفرد والتسيب الذي تتعامل به سلطة الأراضي الفلسطينية منذ تأسيسها في توزيع الأراضي كما لو كانت عطاءات ومنح شخصية تقدم لشريحة الحاكمين وبيئتها الموالية، يتناقض تماماً مع كون هذه الأرض هي محور صراعنا مع العدو الصهيوني، وكذلك مع ندرة الأرض وحقوق الأجيال القادمة فيها، أي أن هذه الأرض ليست ملكية عقارية وقيمة مالية فحسب، ولكن تمثل فرص المستقبل والتنمية للقطاع المكتظ، وهنا المقصد ليس فقط على الأراضي ضمن منطقة "تل السكن".
في التل الأثري يتضاعف التجاوز ليطال الأسلاف الذي عمروا هذه الأرض، وهنا لا نقصدهم كأسلاف حضاريين لنا كفلسطينيين فحسب، ولكن كأسلاف للبشر كانوا أوائل المنشئين للعمران البشري الجماعي "المدينة" في هذا الكوكب، وإذا كان السؤال حول الأحقية بأرض فلسطين أحد أبوابه من هو الأقدم على هذه الأرض؟ فإن باب أساسي آخر له هو ما مقدار محبتك وارتباطك في هذه الأرض؟ وكيف تتعامل معها؟
رأينا كيف اختارت شريحة نافذة من الفلسطينيين التعامل مع هذه الأرض، 350 دينار هي سعر المتر فيها، وهو سعر علاقتهم بكل متر من أرض فلسطين، وهذا ليس مؤسف فحسب بل أنه كارثي، وفاضح لتأثير ضعف حضور الهوية الوطنية في البنية المؤسساتية الفلسطينية، التي باتت شيئاً فشيئاً تتحول لجهاز تقني، لا يرغب بالتفاعل مع حقيقة هذا الشعب وواقعه وواقع الصراع على هذه الأرض، هذا نلتمسه في المخططات الهيكلية، وفي القرارات الضريبية، وفي توزيع الموازنات العامة، في كل حرف مما ينتجه هذا الجهاز الأعمى نلمس عداءً لحقيقة فلسطين وطبيعة شعبها.
تذكير أخير بموقع تل السكن، نحن نتحدث عن تلك الأراضي المتاخمة لمستوطنة "نتساريم" سابقاً والتي استشهد في محيطها ليس عشرات أو مئات بل آلاف من أبناء شعبنا حتى دحر الاحتلال عنها، والتي لم تكن سلطة الأراضي تستطيع أن تطأها قبل اندحار الاحتلال ودون هذه التضحيات، وإذا قبلنا بهذا الانفصال الذي تتعامل به الأجسام الحكومية عن شعبها، كما لو كانت ذات شخصية وحقوق منفصلة وليست تعبير عن إرادة هذا الشعب، فهذه الأرض ملك لشعب فلسطين وليس لأي مسؤول أو جهة حكومية، فلا جهة حكومية تمتلك الحق في التصرف بشبر من أرض فلسطين لتحقيق منافع خاصة أو فئوية.
ما نأمله حقاً هو ليس وقف التجريف في تل السكن فحسب، فالجريمة قد وقعت بالفعل، والواجب هو معاقبة مرتكبيها، والدعوة مفتوحة للنائب العام للتحقيق مع كل من ساهم في هذه الجريمة وتقديمه للقضاء، واجبنا ألا نتوسلهم ليتوقفوا عن جرف تاريخنا ومكاننا في هذا العالم، ولكن أن نضمن عقابهم القانوني ونجعلهم عبرة فيما يتعلق بالتعامل مع أرض فلسطين المجبولة بدماء شهدائها.

