Menu

كيف ينتهي «الدواعش» تماماً؟

علي جرادات

يوشك «داعش» و«أخواته» على نهايتها كعصابات تسيطر، منذ سنوات، على مساحات جغرافية واسعة في كل من العراق وسوريا، على الرغم مما توافر لها من ترسانة عسكرية نوعية، وإمكانات مادية هائلة لا تملكها كثير من الدول. لكن اقتراب نهاية هذه العصابات بالمعنى الأمني والعسكري في كل من العراق و سوريا لا يعني أنها ستنتهي تماماً، ذلك للأسباب التالية:

1- لأن هذه العصابات، بما تحمله من فكرة ظلامية قائمة على استخدام الدين والمتاجرة به، إنما تعطي الإجابات الوهمية عن الأسئلة الواقعية في الظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تنتج ما لا يطاق من صنوف الفقر، والبطالة، والحرمان، والتخلف الاجتماعي، والجهل، والأمية، والتهميش، بما يشكله كل ذلك من بيئة خصبة لتكاثر هذه العصابات تكاثراً بكتيرياً، على الرغم مما تحمله من فكر ماضوي قرووسطي، عماده تكفير وإبادة كل ما عداه. فانعدام الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية يشكل الأساس الاجتماعي لنشوء، وتنامي، وانتشار هذه العصابات، وبالتالي فإن عدم معالجتها إنما يعني الإخلاد للمعالجة الأمنية والعسكرية التي، على أهميتها، لا تتعرض لجذر المشكلة. فضلاً عن أن هذه العصابات تشكل الرد الخاطئ على الأسئلة الصحيحة في الظروف السياسية التي تنتج ما لا حدود له من أشكال القمع، والبطش، وانعدام الحريات. فالطغيان (الحكم خارج القانون)، والاستبداد، (انتهاك القوانين والدساتير والتعسف في تطبيقها)، يشكلان الأساس السياسي لولادة وانتعاش هذه العصابات، بل والذريعة للتدخلات الخارجية بالمعاني كافة. ذلك أن المستبدين والطغاة إنما يعبّدون الطريق لتدخلات الغزاة. 

2- ولأن هذه العصابات هي، في نهاية المطاف، أدوات تستخدمها، وتمدها بالمال والسلاح أجهزة استخبارات دول مختلفة لتحقيق أهداف سياسية في صراعها وحروبها بالوكالة مع غيرها من الدول. ولم يعد موضع شك أن الولايات المتحدة، (وقطعاً حليفها الثابت في المنطقة «إسرائيل»)، هي أول من شرَّع استخدام مثل هذه الجماعات الإرهابية في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، في إطار حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي قبل انهياره. بل، وأكثر من ذلك، فقد واصلت الولايات المتحدة ودول «غربية» أخرى استخدام هذه العصابات في كل من العراق وسوريا، ودول عربية، وإقليمية أخرى، حتى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وبعد التفجيرات التي وقعت في أغلب الدول الأوروبية، أي حتى بعد انقلاب السحر على الساحر.

3- ولأن الوظيفة الأساسية التي تؤديها هذه العصابات يمكن أن تؤديها غيرها من الحركات، لتحقيق هدف «إسرائيل» الثابت، بدعم «غربي» ، لبث كل أشكال الفتن، ونشر عدم الاستقرار، وتغذية الحروب الداخلية، وكل ذلك في إطار العمل على تجزئة، وتقسيم، وتفتيت الدول العربية، وتحويلها إلى كيانات ودويلات هزيلة متحاربة. وإلا ما معنى أن يتزامن افتعال قضية استفتاء أكراد العراق على إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، مع اقتراب الحاق هزيمة عسكرية بدولة الخلافة المزعومة لعصابات «داعش»، و«أخواتها» في العراق وبلاد الشام؟ وما معنى أن تكون حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو الجهة الوحيدة التي أعلنت، جهاراً نهاراً، عن دعمها وتأييدها لانفصال أكراد العراق في دولة مستقلة؟ وما معنى النفاق السياسي الذي تمارسه واشنطن، حيث تعلن أن التوقيت غير مناسب لطرح انفصال أكراد العراق، بينما تدعم في السر هذا الانفصال؟ وما معنى أن تكون الولايات المتحدة و«إسرائيل» على رأس الدول التي عملت في السر والعلن على تحقيق مخطط تقسيم السودان ؟

لعل من المفيد هنا التذكير بحقيقة أن واشنطن بعد احتلال العراق وتدميره، قد صاغت دستوراً عراقياً قام على التقاسم الطائفي والمذهبي، ما ترك الباب مفتوحاً على تجزئة العراق إلى دويلات ثلاث: شيعية وسنية وكردية، بل والعمل على اتخاذ النموذج العراقي أساساً لتجزئة دول عربية أخرى، في مقدمتها سوريا و ليبيا ، وإن بسيناريوهات مختلفة. وفي السياق يجدر التذكير، أيضاً، بأنه عندما سيطرت عصابات «داعش» و«أخواتها» في يونيو/حزيران 2014 على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، ومدن عراقية أخرى، عدا سيطرتها على مساحات واسعة في سوريا، أعلن المسؤولون الأمريكيون، ومنهم الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، أن القضاء على هذه العصابات يحتاج، على الأقل، إلى عقديْن من الزمن. فهل من معنى لتلك التقديرات السياسية والأمنية الأمريكية الكاذبة غير إشاعة التهويل الذي يفضح ما سعت إليه، ولا تزال، كل من واشنطن، وحليفها الثابت في المنطقة، «إسرائيل»؟

ماذا يعني كل ما تقدم؟ على أهمية اقتراب إلحاق هزيمة عسكرية وأمنية بعصابات «داعش» و«أخواتها» في العراق وسوريا، فإن إنهاءها تماماً في الوطن العربي لن يكون إلا من خلال استراتيجية عربية فكرية، وسياسية، واجتماعية، وأمنية، وعسكرية.