Menu

إعدام «الإخوان»: «قضاء».. لا قدر

ربيع بركات

لا يحتاج المرء أن يكون خبيراً حقوقياً كي يُدرك مدى التسييس في أحكام الإعدام الصادرة مؤخراً بحق عدد من قيادات «الإخوان المسلمين»، وفي طليعتهم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي والمرشد العام للجماعة محمد بديع والقيادي البارز فيها خيرت الشاطر، فضلاً عن جملة ممن اتُهموا بالضلوع في عملية تهريب السجناء أثناء أحداث «ثورة يناير»، وبينهم الداعية المقيم في قطر يوسف القرضاوي وأعضاء في حركة «حماس»، قضى بعضهم حتى قبل وقوع الثورة بسنوات، فيما يقبع أحدهم في سجن إسرائيلي بحكمٍ مؤبد منذ العام 1996.
الحكم دفع البعض إلى عقد مقارنة بينه وبين ذاك الذي قضى بإعدام القيادي في الجماعة سيد قطب في العام 1966، علماً أن قطب أسّس لخطٍ امتاز بالغلو داخل الجماعة، ثم جاء إعدامه ليثبّت هذا الخط، ويجعل من الرجل أيقونة الخيارات المتشددة داخل «الإخوان» (ولدى الجماعات الجهادية لاحقاً)، على مدى عقودٍ من نشاطهم السياسي.
وبرغم تثبيت هذا الخط داخل الجاعة، فقد أخذ موقفها لناحية القبول بالعمل من داخل النظام السياسي في مصر، يتدرج إيجاباً، تحديداً منذ إفساح الرئيس المصري الأسبق أنور السادات هوامش العمل السياسي أمام الإسلاميين، توازياً مع تخلّصه من «مراكز القوى» التي أعاقت استفراده بالحكم وطيهِ صفحة عبد الناصر بدءاً من أيار 1971. ومع ترهّل اليسار المصري الذي قدّم آخر مشاغباته الفاعلة ضد نظام السادات في «انتفاضة الخبز» في كانون الثاني 1977، أخذت جماعة «الإخوان» تتمدد داخل النقابات ومجالس الطلبة داخل الكليات الجامعية، وبرز منها في هذا الإطار من لقّبوا بقيادات «الجيل الوسيط»، الإصلاحي إجمالاً، والذين انشق بعضهم عنها لاحقاً وأسس أحزاباً مستقلة قبل «ثورة يناير» وبعدها، كعبد المنعم أبو الفتوح وأبو العلا ماضي.
وبعد اغتيال السادات في العام 1981 والتضييق على العمل السياسي بشكل عام، عادت الجماعة لتستأنف نشاطها السياسي في العام 1983 بزعامة مرشدها عمر التلمساني، الذي كان يميل إلى الإصلاح. وتحالفت مع حزب «الوفد» في انتخابات 1984، في نقلة نوعية عمادُها قبول الائتلاف مع حزب ليبرالي عريق بقصد تحقيق جملة من الأهداف، بينها الانفتاح على القوى الأخرى والوصول إلى البرلمان وتحدي الحظر المفروض عليها.
على أن وفاة التلمساني وعودة قيادات إخوانية إلى مصر كانت قد هربت من الاعتقالات اللاحقة للأحداث الطائفية التي سبقت اغتيال السادات بأشهر، كخيرت الشاطر ومحمد مهدي عاكف ومأمون الهضيبي (والأخيران أصبحا مرشدين للجماعة فيما بعد)، أعادت الاعتبار إلى التيار التقليدي داخل «الإخوان»، وهو الذي لقبه البعض بـ «جيل التنظيم»، في إشارة إلى صلته بـ «التنظيم الخاص» الذي أسسه سيد قطب، والذي كان يؤمن بالعمل المسلح ضد النظام.
بيد أن إمساك التيار التقليدي بمعظم مقاليد القرار في الجماعة لم يمنع رفعها منسوب الانخراط في العمل السياسي، وإن تذبذبَت مشاركتها تبعاً للظروف (مشاركتها في انتخابات 1987 مثلاً ومقاطعتها انتخابات 1990 مع بقية الأحزاب السياسية) وتبدّلَ منسوبُ توترها مع السلطة تبعاً لأحداث الداخل والخارج (الرئيس الأسبق مبارك، مثلاً، اتهم الجماعة صراحة بدعم الإرهاب مطلع التسعينيات، قبل أن تتبع محاولة اغتياله في أديس أبابا محاكمات عسكرية كانت الأولى منذ 1965 لقيادات الجماعة، زُج بنتيجتها عدد من رموزها في السجون). واستمر عمل الجماعة من داخل النظام السياسي يأخذ منحى تصاعدياً في انتخابات 2000 و2005 التي حازت فيها عدداً استثنائياً من المقاعد، قبل أن يحصد «الحزب الوطني» الحاكم كامل مقاعد المجلس في مهزلة انتخابات العام 2010.
في وصفه تجربته داخل الجماعة، يقول مؤسس «حزب الوسط» أبو العلا ماضي، الذي انشق عن «الإخوان» في تسعينيات القرن الماضي ثم تحالف معهم في إطار «دعم شرعية» مرسي بعد عزله، إن رموز التيار الإصلاحي كانوا مهتمين «بالاحتكاك والتفاعل مع المجتمع كله خارج «الإخوان»، بينما اهتم رموز التيار التقليدي بالسيطرة على مفاتيح الجماعة ومراكز صنع القرار فيها».
وقد فسّر هذا الأمر كثيراً من سلوك القيادة لناحية الرغبة بالتمكّن، ليس من الجماعة فحسب، بل من الدولة بكامل مفاصلها بعد «ثورة يناير»، مجلسَ شعبٍ وشورى ورئاسة جمهورية، برغم أن المرشح الرئاسي للجماعة، المحكوم عليه بالإعدام اليوم، لم يحظَ بأكثر من 27 في المئة من مجمل أصوات الناخبين في مرحلة الانتخابات الأولى، وبرغم رسوخ «الدولة العميقة» في مواقعها السابقة في الجيش والأمن والقضاء، وبرغم وعود الجماعة بعدم التفرّد، وهي الوعود التي كانت تذهب أدراج الرياح كلما لاحت فرصةٌ ظنها «الإخوان» تاريخية لا تُعوّض.
اليوم، يقف رموز «الإخوان» التقليديين أمام حكم إعدامٍ، يمكن أن يعيد إنتاج أيقونة جديدة لأجيال الجماعة المقبلة، تشبه برمزيتها أيقونة سيد قطب لناحية القول بـ «المظلومية»، وتختلف عنها لجهة التطور في رؤية الجماعة، الذي يظهره تاريخها المُشار إليه أعلاه (وإن كان يعتري هذا التطور قصور يسمح بالقول إنها ما زالت متسامحة مع أشكالٍ من الفاشية الدينية، وهو ما برز في تحالفاتها ومهرجاناتها زمن مرسي).
وراء أحكام الإعدام بحق «الإخوان»، تنظيماً وقيادة، «قضاءٌ» مسيسٌ لا ريب. على أن «قدرَ» الجماعة بالجريان في دورة تاريخٍ مشابهة لماضيها يبدو غير ممكنٍ لشدة اختلاف الظروف. إذ ليس وارداً قصمُ ظهر «الإخوان» أو تجميد نشاطهم تماماً. لكن الجماعة، بالقدر نفسه، غيرُ قادرة على القيام من ركامها بقوة الدفع ذاتها كما في السابق.. حتى في ظل رعاية إقليمية، قطرية وتركية، لها.