Menu

هيكل ينفرد بتفاصيل أسلحة العصابات الصهيونية

أرشيفية

محمود صلاح

هيكل يتساءل: من هم الأشخاص الذين لعبوا أدوارا وراء الستار؟!

النقراشى يتهم هيكل بالمبالغة فى قوة اليهود

النقراشى للواء المواوى: الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية

ربما كان محمد حسنين هيكل هو الصحفى العربى الوحيد الذى كشف أسرار حرب فلسطين. ليس فقط أثناء وبعد هذه الحرب. بل قبيل وقوعها أيضا!

وقد لا تكون حرب فلسطين أكثر الحروب والأحداث العالمية التى شهدها هيكل من ناحية الإثارة. لكنها بكل تأكيد كانت أهم هذه الأحداث.

ذلك أن مصرية وعروبة هيكل كانت واضحة للغاية فى رسائله الصحفية، التى كتبها من ميادين الأحداث فى فلسطين. فقد شهد وسجل معاركها وأحداثها بنفسه.

وكان هيكل حتى آخر لحظة قبل الحرب مقتنعا للغاية ـ حسب معلوماته ـ أن مصر لن تدخل هذه الحرب بطريقة رسمية.

حقق هيكل سبقا صحفيا خطيرا عندما كشف محاولات التسليح اليهودية السرية، وشحنات الأسلحة والمهاجرين اليهود التي كانت تدخل فلسطين عبر البحر في سرية تامة. وكيف أن اليهود كانوا على استعداد تام لكل شىء في اليوم الموعود. يوم 15مايو 1948. وكانوا يدركون أنها أهم معاركهم المصيرية. وأنهم جاهزون تماما لها!

ونقل هيكل فى رسالة صحفية "لأخبار اليوم" نشرت قبل أسبوع كامل من دخول حرب فلسطين. نقل التحذيرات الأخيرة للعرب لكى يستعدوا للمواجهة التاريخية!

ومضى هيكل في يومياته يسترجع مشاعره خلال هذه الفترة الحساسة قائلا:

"ولست أدرى لماذا كنت أضغط هذا الضغط كله. على ضرورة الاستعداد ليوم 15 مايو. ولكنني لا أتصور أنه سيدخل الحرب رسميا، ثم كانت المفاجأة الكبرى لي يوم الجمعة 14 مايو 1948.. عدت إلى القاهرة في ذلك اليوم أستطلع الموقف. وإذ أول خبر أعرفه أن الجيش المصري سيدخل فلسطين عن منتصف الليل. وأذكر أنني قابلت النقراشي باشا. وكذلك قابلت الفريق محمد حيدر، وكانت الظروف قد تغيرت من النقيض إلى النقيض!

وأذكر ـ وأنا أقف أمام التاريخ شاهد حق ـ أن الحديث بيني وبين كلا الرجلين قد جر إلى قوة اليهود. ولفت نظر الاثنين إلى المقال الذى كنت قد نشرته قبل أسبوع في نفس الموضوع، وأذكر أن كليهما قال لي في تلك المناسبة إنه يعتقد أن المعلومات الواردة فيه مبالغ فيها!

لكن وقبل هذا كله: ما الذى كان قد غّير اتجاهنا في فترة أسبوع واحد؟ لقد كان رئيس وزراء مصر قبل أسبوع واحد، يصر على أنه لا يعرض الجيش المصري الذى يعتمد عليه في نظرية ملء الفراغ من قناة السويس لأية مخاطرة؟

لماذا تغير الاتجاه.. وماذا حدث؟ هل وثقنا أن الأمر ليس مخاطرة؟ هل أعددنا للأمر عدته؟ هل دخلنا الحرب متأهبين لكل احتمالاتها؟ ما الذى جرى؟

وهنا أترك مكانى، مكان شاهد الحق أمام التاريخ لشاهد آخر، يستطيع أن يتكلم عن ثقة وعن تجربة، والشاهد هو اللواء أحمد محمد المواوى، أول قائد مصرى لحملة فلسطين!

ويعترف هيكل فى يومياته، بأنه لم يكن يهمه الدور الذى قام به اللواء المواوى فى معركة فلسطين. وإنما كانت تهمه شهادته عن فترة ما قبل المعركة مباشرة. لأن فى هذه الفترة من يجيب عن الأسئلة السابقة. أو على الأقل يلقى عليها شعاعا من نور!

أما شهادة اللواء المواوى، فقد سمعها هيكل من فمه مباشرة. فى نفس يوم عودته معزولا من منصب القائد العام فى فلسطين. وكان الرجل يتكلم بحرقة. جرت معها التفاصيل متدفقة.. ذات هدير!

وقد كتب هيكل تفاصيل شهادة اللواء المواوى، واحتفظ بهذه التفاصيل ليومياته، وقال لنفسه: ربما.. ربما يجىء يوم!

ويومها قال اللواء المواوى لهيكل: إننى أشك فى كثيرين.. وأنا على استعداد لأن أسميهم بأسمائهم! وأنا أتهم بريطانيا بأنها نصبت لنا فخا فى فلسطين. لقد وجدتنا نصرخ فى وجهها فى مجلس الأمن لكى تخرج من بلادنا. ووجدت عندنا جيشا، وإن لم يكن وقتها جيشا بالمعنى المفهوم! لكننا كنا ندعى به القدرة على ملء الفراغ فى قناة السويس.

"ووجدت إنجلترا فى خزائننا مالا فائضا من رخاء الحرب العالمية الثانية. كنا نشد به ظهرنا. وأرادت إنجلترا أن تخمد الصوت الذى يصرخ فى وجهها. وأن تذل الجيش الذى ندعى به القدرة على ملء فراغ قناة السويس. وأن تخرب الخزائن العامرة بالمال"!

ولست أعرف بالتحديد كيف وصلت بريطانيا إلى إيقاعنا فى الفخ الذى نصبته لاصطيادنا. لكننى واثق من النتيجة. وهى أن فلسطين بظروفها وملابساتها كانت فخا. سقطنا فيه. بعضنا بحسن نية. والبعض الآخر بنية أسود من الليل البهيم!

ومضى اللواء المواوى يقول لهيكل: وعلى أى حال.. فلأعد إلى دورى فى المسألة، لم أكن راضيا أبدا عن جيشنا، لم يكن فيه تدريب ولا استعداد. ولا أذكر أننا قمنا بمناورة واحدة من سنة 1931 إلى سنة 1948!

وكان الجيش فى تلك الأيام  موزعا بين الاحتفالات. كسفر كسوة المحمل أو المولد النبوى، وبين أعمال الوزارات العادية، وزارة المالية مثلا كانت تستعير من الجيش فرقة للحراسة. ووزارة الصحة تستعير بعض أفراد فرقة لمقاومة الفيضانات. ووزارة الصحة تستعير بعض فرق الجيش لمكافحة الجراد!

ووزارة الصحة كانت تستعير فرقا من الجيش: فى الحرب ضد الأوبئة مثل الكوليرا. ووزارة الداخلية كانت تستعير بعض فرق الجيش لحفظ النظام وقمع المظاهرات! هكذا تحول الجيش إلى أداة مدنية! وكاد يفقد تماما الروح العسكرية!

وفى سبتمبر 1947 قرأت فى الصحف عن المناقشات الدائرة حول التقسيم. وسمعت كلاما كثيرا عن استعداد الدول العربية وجهودها ضد التقسيم ولو بالقوة! لكن لم أتخيل أن الظروف قد تتطور إلى ما تطورت إليه فعلا. ولم أدرك أيضا أنه سيكون لى أى دور فى هذه التطورات!

ثم سمعت ذات يوم عن مؤتمر عقده الفريق إبراهيم عطا الله، رئيس هيئة أركان حرب الجيش فى ذلك الوقت. وسمعت أن للمؤتمر صلة بالتطورات فى فلسطين. لكننى تأكدت أن المؤتمر كان هدفه عمل معسكر تدريب فى العريش. معسكر تدريب فقط! وحضر هذا المؤتمر قواد الجيش.. لكننى لم أكن بينهم!

وفى المؤتمر التفت إبراهيم عطا الله إلى الجالسين وقال بالنص:

مين حايكون قائد القوة فى العريش؟.. يا جماعة يااللى قاعدين من يحب يكون قائد القوة؟

وقال اللواء محمود شاهين الذى كان حاضرا الاجتماع، أنا أروح! لكن اللواء موسى لطفى قال: شاهين بتاع طوبجية لا يفهم فى التدريب.. ابعثوا مدير المشاه.

وكنت أنا مدير المشاه! وهكذا وقع الاختيار علىّ بكل بساطة!

ومضى اللواء المواوى يكمل القصة لهيكل قائلا: "ولقد ثرت على هذا القرار "، وسألتهم: هل الغرض هو التدريب؟

قالوا: نعم.

قلت: وهل تبعثون مدير المشاه لكى يدرب أورطة واحدة فقط؟! لكن لم تكن هناك فائدة من كثرة الكلام. فبدأت أستعد للذهاب! وكانت فى رأسى صورة واضحة عن أحوال التدريب فى الجيش. فقد كنت قبل عملى مديرا للمشاه أعمل فى لواء التدريب. وسافرت إلى العريش.. على أن تجيئنى كتائب الجيش لأقوم بتدريبها كتيبة كتيبة. لكن عندما وصلت إلى المعسكرات المخصصة للتدريب. وجدت أنها ليس فيها شىء على الإطلاق. ورجعت إلى القاهرة أطلب مقابلة رئيس أركان الحرب. وقدمت له قائمة بطلباتي..

فقال لى الفريق إبراهيم عطا: إنت عاوز منى إيه، ومع ذلك عدت إلى العريش.. لكن كانت بيننا وبين التدريب استحالات قوية. وفى تلك الفترة كتبت تقارير طويلة. طالبت فيها بما يجعل التدريب مجديا. وقلت فى هذه التقارير. إنه ليست عندى أسلحة كاملة. ولا سيارات ولا معدات.. ولا ضباط ولا صف ضباط! ولقد عرفت بعد ذلك التأثير الذى أحدثته تقاريرى!

عدت إلى القاهرة، وطلبت مقابلة الفريق إبراهيم عطا الله. لكنه رفض مقابلتي. حتى التقيت به بالمصادفة فى صالة رئاسة أركان الحرب. فتقدمت منه أشرح له ظروفى، فقال لى عطا الله: يا أخي.. أنت خلصت الورق فى الكتابة! ثم قال لى:

اسمع: أنا ح أجيلك مرور فى العريش! وعدت إلى العريش وبعد مدة جاءنا إبراهيم عطا الله. وكانت أسنانه تصطك من البرد. ولم يقض معنا وقتا.. بل أسرع عائدا إلى القاهرة! وبعدها جاء الفريق محمد حيدر وزيرا للحربية.. وخرج عطا الله من رئاسة أركان الجيش! وفى ذلك الوقت كثرت أحاديث الصحف عن فلسطين.. ومنها وحدها كنت أستقى معلوماتى!

وأذكر أن ضباطا جاءوا من القاهرة ليتسللوا إلى فلسطين لأعمال خاصة. للحصول على معلومات. ورأيت أن من واجبى أن أذهب إلى القاهرة. وأفهم ماذا يحدث ورائي. وأقابل وزير الحربية وأشرح له الحالة

وقابلت الفريق محمد حيدر فعلا، وشرحت له فى أول مقابلة كل أفكارى عن التدريب. وما نحتاج إليه من معداته. وقلت له إن بعض العرب جاءونا يطلبون المساعدة فى تدريبهم!

قال لى الفريق محمد حيدر: بعدين أقول لك!

وواصل اللواء المواوى حكايته المؤسفة أمام هيكل قائلا: " وبعدها زارنا حيدر فى العريش. وبدأ يحاول تكملة النقص عندنا. وفى ذلك الوقت اصطدمت بمشكلة أخرى. وهى مشكلة قواد الكتائب الذين لا يريدون أن يعملوا "!

كان من رأيى أن تبقى كل كتيبة فى معسكر التدريب ستة شهور. ولكن قواد الكتائب لم يعجبهم. أن يبقى الواحد منهم ستة شهور متصلة فى العريش! وأذكر أنه فى ذلك الوقت جاءتنى الكتيبة التاسعة. أول كتيبة كان علىّ تدريبها. ولم تقض الكتيبة فى التدريب إلا ثلاثة شهور فقط ثم نقلت عائدة إلى مصر!

ثم عملت بعد ذلك أن هذه الكتيبة أصبحت كتيبة أمن عام. وأنها وضعت فى هايكستيب.. لمقاومة مظاهرات الطلبة! ثم جاءتنى الكتيبة السادسة..

وكانت فى حالة يرثى لها! كانت عائدة من السودان . وكانت مهلهلة فى ملابسها ومهماتها وذخائرها! وقررت أن أبدأ بعمل طابور معركة لهذه الكتيبة. لأرى كيف تستطيع أن تعمل. وحددت لها مشروعا يبدأ من العريش. إلى موقع يبعد سبعين كيلو مترا عنها، وبدأت العيون تظهر !

وقفت الحمالات والمدافع واللوريات على الطريق معطلة، وأقسم أن السبعين كيلو مترا كانت مرسومة خطأ بالمعدات المعطلة! بينما العملية مستمرة..

تلقينا إشارة من مدير العمليات وكان وقتها اللواء موسى لطفي. وكانت الإشارة تقضى برجوع الكتيبة.. إلى القاهرة! واتصلت بموسى لطفى فى التليفون،  وقلت له: الكتيبة فى وسط التدريب.

رد موسى لطفى ثائرا: تدريب إيه.. إحنا عاوزينها بسرعة.. فيه إضراب فى البوليس وعاوزين الكتيبة حالا! استعدت الكتيبة للعودة إلى القاهرة بسرعة..

وبينما هى فى الطريق.. انتهت أزمة إضراب البوليس.. وهكذا وجدت أنه لا عمل لى فى معسكر التدريب، فعدت إلى القاهرة أحاول أن أفهم ما يجرى!

وكتبت أكثر من مائة خطاب سرى أسأل فيه ما هو الغرض؟

قالوا لى: التدريب!

قلت: هذا كلام غير معقول، أخيرا قالوا لى: سوف نسأل الجهات المختصة!

ثم عقد بعد ذلك مؤتمر،  وقالوا لى فيه: إيه طلباتك؟

قلت: لا أستطيع أن أحدد طلباتى.. إلا إذا قلتم لى ما هو طلبكم؟  وبعد مناقشات ومداورات.. قالوا لى: هل تذكر تقريرك السابق؟ لقد كنت تطلب المعدات لتدريب كتيبة. سوف تنفذ لك طلباتك فى هذا التقرير!

هكذا شرح اللواء المواوى لهيكل مهزلة حال الجيش المصرى قبل أيام أو أسابيع من دخوله حرب فلسطين.. ومضى ينهى قصته قائلا: " وجاء يوم 10 مايو 1948 ".. كنت فى العريش وتلقيت برقية تطلب حضورى بسرعة إلى القاهرة. ودعيت لمقابلة الفريق محمد حيدر، الذى سألنى: إيه الحالة عندك؟

قلت: سيئة للغاية!

قال: سوف نضطر لدخول حرب فى فلسطين!

قلت له: الوحدات غير مدربة.

فقد كنت مسئولاً عن التدريب فى الجيش وأن أعلم حاله. وكنت قائدا لسلاح المشاه وأنا أعلم أننا غير مستعدين إطلاقا، وسكت حيدر بعض الوقت، ثم قال لى: اسمع يا مواوى.. دولة النقراشى باشا جاى يحضر اجتماعا فى رئاسة الجيش. تعال معى وقل له هذا الكلام.

وذهبت إلى الاجتماع، وجلست أمام النقراشى أروى له معلوماتى بصراحة،  وقال لى النقراشى: موقفنا بين الدول العربية يحتم علينا الدخول، ثم تكلم طويلا..

وكان أبرز ما قاله أنه رحمه الله تصور أننى خائف من العملية. وقال إنه يعتقد أن المسألة سوف تسوى سياسيا بسرعة. وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل، وأن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية. وليست عملا حربيا!

وكتبت تقريرا رسميا بكل آرائي.. ثم أطعت الأوامر الصادرة لى بالسفر..

وركبت الطائرة إلى العريش. وفى اليوم السابق للعملية. جاءتنى الخطة فى مظروف سرى وصلنى بالطائرة. وبدأت المأساة!

وهنا لا ينسى هيكل فى يومياته أن يسجل ملاحظاته حول ما قاله اللواء المواوى. وهى ملاحظات أخذت شكل أسئلة. قال هيكل إنها محيرة. وهى:

•  ما الذى دعا لأن يتغير موقف مصر فى الأيام الخمسة الأخيرة؟

•  لماذا عدل النقراشى عن نظريته، فى عدم تعريض الجيش لأى خطر. حق لا يمس نظريته فى قدرة الجيش على ملء الفراغ؟

•  ولماذا قال حيدر للمواوى: تعالى معى إلى رئيس الوزراء وقل له كل هذا؟

•  ومن هم الأشخاص الذين لعبوا أدوارا وراء الستار؟

•  وما هى القيادات التى وجهت الأحداث إلى الاتجاه الذى سارت فيه؟

•  وماذا جرى فى الفترة الواقعة بين أول مايو.. والعاشر منه؟

وقبل أن ينهى هيكل هذا الجزء من يومياته. يوجه نداءً لمن يعرفون الإجابات عن هذه الأسئلة..

ويتساءل هيكل: "لماذا لا يتقدمون بشجاعة وشرف. ويرفعون أيديهم فى إخلاص. ويقفون شهود حق أمام التاريخ. ويفتحون صدورهم. لتخرج منها الأسرار الحبيسة المقيدة بالأغلال"!

هكذا كان هيكل ينادى.. فهل استجاب أحد للنداء؟