تبدو السعودية في هذه الأيام وكأنها فيل أهوج فقد عقله فراح يحطم في طريقه كل شئ.
هذا ما هو عليه واقع الحال سواء ما يتعلق بعملية تصفية الحسابات في داخل الأسرة المالكة أو ما يتعلق بسياسات السعودية ومواقفها تجاه محيطها الخارجي...
على ما يبدو أن أكثر ما يثير غيظ السعودية هو اكتشافها أن كل ملياراتها لا تفيدها وهي تعيش أسوأ كوابيسها.
هذا السلوك المتهور يأتي في سياق الصراع الداخلي على السلطة وكتتويج لسلسلة من الإخفاقات الكبرى والاستراتيجية التي حكمت سياسات المملكة منذ ما يسمى بالربيع العربي.
الحالة المرتبكة لأقصى حد تعكس الرهانات المختلة التي تحكم سياسات السعودية، حيث توهمت أن بمقدورها حسم المواجهات وحسم الحروب وتغيير الأنظمة وشراء السياسات من خلال الاعتماد على خزينتها.... هكذا بكل بساطة.
إنها تتعامل مع السياسة الخارجية بذات المنطق الذي تتعامل فيه مع حسم الصراعات داخليا، منطق الغطرسة والخفة والثقة المطلقة بالمال كصانع للسياسات والمواقف.
وهكذا ذهبت إلى حروب قاسية ومفتوحة وهي على قناعة أن بمقدورها شراء الدول والحكومات والجيوش التي ستخوض الحروب نيابة عنها، لهذا راحت تبدد ثرواتها واحتياطها وهي في عجلة من أمرها وكلها ثقة أن لا أحد خارج سطوة نفطها.
لقد وصل وهم سلطة المال بها لأن تتخيل أن بمقدورها شراء روسيا والصين بل وحتى شراء أمريكا وإسرائيل، وهكذا كانت في كل ممارستها السياسية تضع ملياراتها على الطاولة "كصرة عرب" وتنتظر بكل بلاهة أن يسارع مثلا الرئيس بوتين أو ترامب أو نتنياهو لتقبيل يد طويل العمر فيحركوا الجيوش بمجرد انتهاء رقصة عرضة السيف.
لهذا، وبعد ست سنوات من وهم حسم الصراع في سورية و العراق و3 سنوات من الحرب المجنونة على اليمن، وجدت السعودية نفسها تدور في مصيدة محكمة تقودها من فشل إلى فشل أكثر بؤسا، وهو ما أوصلها إلى حالة من فقدان الاتزان، ورغم ذلك، وبدلا من أن تقف لتعيد تقييم الأمور وتعود لرشدها، نراها تنحدر أكثر نحو خيارات تفقدها آخر ما تبقى من هيبة وثروات.
هذه النتيجة دفعت بالسعودية نحو سلسلة من ردود الفعل الهوجاء والاندفاعات غير المحسوبة، فراحت تتصرف بمنطق شيخ القبيلة الفاشل، فيما المواجهات والصراعات تجري مع دول وقوى تدير السياسة وفق حسابات واستراتيجيات غاية في التعقيد والتداخل، وأيضا وفق معادلات الاشتباك السياسي والعسكري والاقتصادي والمصالح التي تحكم علاقات الدول التي يدرك كل طرف منها حدود وممكنات القوة لذاته وعند خصمه. كما تدرك أيضا الممكن وغير الممكن.
هكذا وجدت السعودية نفسها غارقة في مغامرات سياسية وصلت إلى حد الحماقة، بدءا من تصديرها عصابات وفتاوي التكفير والموت إلى سورية والعراق ثم حربها التدميرية الوحشية في اليمن ، وصولا للانقضاض على قطر ، ثم إعلانها "الحرب" على إيران ثم حزب الله، ليلي ذلك خطوتها الرعناء بإحتجاز رئيس حكومة لبنان سعد الحريري وإجباره على إعلان استقالته من الرياض، لتتوج كل هذه الإخفاقات بالركض نحو إسرائيل واعتبارها حليفها الأكثر موثوقية وقوة، متجاوزة بذلك كل منطق عقلاني أو حذر ديبلوماسي، بل إنها ومن هول إحساسها بالفشل توهمت أن بمقدورها أن تجر الجميع إلى مغامراتها وتهورها الذي لا تدرك أبعادها ومخاطرها الاستراتيجية.
مشكلة السعودية أنها تواصل سلوكها هذا فيما "خصومها" يستنزفون طاقتها وثرواتها وأعصابها بصبرهم الاستراتيجي فيدفعونها أكثر نحو هاوية الفشل والهزيمة.
هذا المأزق الذي تعيشه السعودية وحكامها دفعهم إلى تجاوز حتى من يفترض أنهم قريبون منها أو حلفاء لها بصورة أو بأخرى، فراحت، وبدون أي اعتبار تتصرف بما يهدد مصالحهم الاستراتيجية ووجودهم والعبث بخطوطهم الحمراء سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
هذا ما تقوم به السعودية الآن مع السلطة الفلسطينية والأردن.
هنا لست في وارد مناقشة الخيارت السياسية للأردن أو السلطة الفلسطينية، فبمعزل عن مدى الاتفاق أو الاختلاف ، الاقتراب او الابتعاد مع سياسات وخيارت كل من السلطة الفلسطينية أو الأردن فإن هناك معادلات تاريخية وأنساق تاريخية تحكم الخيارات السياسية لكل من فلسطين والأردن، فهما وفي كل الأحوال أكثر حساسية وتحسبا عند مقاربة معادلات الصراع في المنطقة من صبي آل سعود الأرعن؛ إنهما يدركان جيدا تعقيدات الواقع، ويدركان المخاطر الوجودية التي تهدد كل من الأردن وفلسطين وفق مشاريع إسرائيل البعيدة كرفض حق العودة والتوطين والوطن البديل، كما يدركان أيضا معنى التحولات العميقة التي ترتبت على توقيع الاتفاق النووي مع إيران ومواقف أوروبا من ذلك، ويدركان أيضا معنى تنظيف سورية والعراق من داعش، وايضا ما تعنيه مواقف روسيا والصين، كما يدركان محدودية الخيارات أمام واشنطن وإسرائيل مهما كانت قوتهما.
والأهم أنهما يعرفان مزاج وروح شعوبهما وخطورة المساس بالبديهيات وتجاوز الخطوط الحمراء.
وبما أن السعودية لم تراع الحد الأدنى من مصالح ومواقف ومخاوف هذين الطرفين الأساسيين في المنطقة، فإنها وجدت نفسها في مواجهة معلنة أو مضمرة مع معادلات الواقع ومحدداته الصعبة، وذلك حين قفزت وراحت تغدق وبصورة علنية على إسرائيل الوعود وتقدم لها باسم العرب التنازلات التي تمس قضايا كبرى بالنسبة لفلسطين والأردن.
كل ذلك يجري وفق معادلة السعودية البائسة أن بمقدورها أن تفرض ما تشاء.
في مقال نشره موقع "ميدل إيست آي" للكاتب ديفيد هيرست "اتهم مسؤول أردني كبير مقرّب من البلاط الملكي، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن اسمه، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بمعاملة الأردن بازدراء قائلاً "إنه يتعامل مع الأردنيين والسلطة الفلسطينية كما لو أنهم الخدم وهو السيد وعلينا اتباع ما يقوم به، إنه لا يستشيرنا ولا يستمع لنا".
يأتي هذا الغضب من عمّان بعد تسريب الرسالة شبه الرسمية لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى ولي العهد محمد بن سلمان والتي تكشف استعداد السعودية للتنازل عن حق العودة في مقابل وضع القدس تحت السيادة الدولية كجزء من اتفاق سلام في الشرق الأوسط من شأنه تسهيل إقامة تحالف سعودي إسرائيلي لمواجهة إيران.
وأضاف ديفيد هيرست، نقلا عن المسؤول الأردني "أن هذه القضايا حساسة جداً بالنسبة للأردنيين من الضفة الشرقية والفلسطينيين"، مشيراً إلى أن أي محاولة لمنح الفلسطينيين المزيد من الحقوق في الأردن من شأنها أن تثير ردود أفعال عنيفة من قبل الشارع الأردني".
وأضاف المسؤول الأردني "إن ما عرض على الرئيس الفلسطيني محمود عباس هو أسوأ مما سبق، مضيفاً أن محمد بن سلمان مهتم بتطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل ولا يهتم لأي شيء آخر.
من جهة ثانية نقل هيرست عن المصدر الأردني نفسه أن البلاط الملكي في عمّان قلق من الضغوط التي تمارس على الأردن من أجل الانضمام للحملة المناهضة لإيران والعواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على ما يعتبره الأردنيون سياسات سعودية متهورة".
أما السبب الثالث للقلق الأردني فهو الأداء السعودي على المستوى الاقتصادي حيث إن الأردن خسر الكثير من الأموال نتيجة مقاطعة قطر وهو يخسر حالياً ما كان يحصل عليه من عائدات عمليات نقل البضائع عبر حدوده من العراق، بسبب إعادة فتح معبر عرعر عند الحدود العراقية السعودية والذي ظل مغلقاً لسبعة وعشرين عاماً منذ غزو صدام للكويت. ونقل الموقع عن مصدر أردني آخر أن الغضب يسود البلاط الملكي الأردني جراء عدم إيفاء السعودية بوعودها للأردن نتيجة موقفه من قطر حيث لا توجد أي إشارات إلى وصول الأموال إلى المصارف الأردنية.
من أسباب الانزعاج الأردني أيضاً وفق المسؤول نفسه أنه لم يجر إطلاع عمّان على مشروع "نيوم" مما يعزز الشك بأن المستفيد الرئيسي من بناء المدينة لن يكون الأردن أو مصر، إنما إسرائيل.
المسؤول شكك في دخول إسرائيل في حرب ضد حزب الله معتبراً أن محمد بن سلمان أخطأ في تقديره ردة الفعل في لبنان في أعقاب الاستقالة المفاجئة للحريري من الرياض، مضيفاً أن التحليل في الاردن أن لا إسرائيل ولا أميركا ستذهبان الى الحرب وان الاردنيين سيعانون من عواقب المواجهة المباشرة مع ايران وسيدفعون ثمنها. (المصدر: ميدل ايست آي – نقلا عن Syria Now، 16 تشرين ثاني 2017).
ما يعزز هذه المعلومات أن جلالة الملك عبد الله الثاني في خطاب العرش السامي الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الثامن عشر، في 12 تشرين ثاني 2017، لم يتطرق من قريب أو بعيد للقضية التي تشغل بال السعودية، ألا وهي الهجوم على إيران وحزب الله، واكتفى بعد استعراضه للقضايا الداخلية بالإشارة الكثيفة إلى أنه : "لن يقوم أحد بإيجاد الحلول لمشاكلنا، إلا نحن أنفسنا، فلا بد أن نعتمد على إرادتنا وإمكانياتنا وطاقاتنا في مواجهة التحديات أمامنا بعزيمة وتصميم. (...) وسيستمر الأردن بالنهوض بدوره التاريخي في الدفاع عن قضايا أمتـينا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف".
في هذا السياق جرى استدعاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى السعودية، حيث نقلت وكالات أنباء عديدة أن السعودية هددته بقطع مساعداتها عن السلطة الفلسطينية إذا لم يقبل ب"صفقة" العصر" التي طرحها ترامب والتي نشرت وسائل إعلام إسرائيلية بعض عناوينها: إمهال السلطة الفلسطينية 90 يوما للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، اقتراح دولة فلسطينية ولكن بشروط مختلفة عن السابق، تبادل الأراضي بدون الالتزام بحدود 67 ، تأجيل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أن تكون السعودية المحور الأساسي لممارسة الضغط على الرئيس محمود عباس للقبول بهذه الخطة" (وسائل إعلام إسرائيلية - الميادين 19 تشرين ثاني 2017).
وكما نشرت بعض وسائل الإعلام فإن الرئيس محمود عباس رفض هذه الضغوط أثناء زيارته للسعودية كما رفض استخدام الفلسطينيين كورقة في الصراع ما بين السعودية وإيران وحزب الله.
هذا ما دفع بإدارة ترامب للتهديد بإغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن إذا لم تستأنف عملية التسوية.
في ظل كل هذه التطورات تتسارع عملية تطبيع العلاقات بين السعودية واسرائيل، وذلك تحت شعار واحد موحد: مواجهة إيران وحزب الله وسورية وكل القوى والدول التي تقف في هذا المحور. في هذا السياق تأتي دعوة السعودية لعقد جلسة طارئة لوزراء الخارجية العرب لتأمين الغطاء السياسي العربي للحلف الأمريكي – السعودي – الإسرائيلي الذي تحدث عنه بكل وضوح رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي آيزنكوت لموقع إيلاف السعودي حين قال: لم ولن نكون يوما في عداء مع السعودية، ومصالحنا مشتركة والتطبيع مستمر" (16 تشرين ثاني 2017).
في ضوء كل ما تقدم نقول: يستطيع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يتخيل ما يشاء وأن يراهن كما يشاء وهو يقوم بانقلابه ضد أبناء عمومته لتأمين وصوله للعرش، كما أنه حر في إشعال التناقضات كيفما اتفق مع محيطه الخارجي ليحرف الأنظار عما يجري في الداخل، كما بمقدوره أن يعلن حلفه وانحيازه الكامل إلى إسرائيل...
لكن ما ليس مسموحا له هو أن يتجاوز معتقدا أن بمقدوره أن يشطب فلسطين والأردن وأن يتعامل معهما كمجرد "خادمين" وفق تعبير المسؤول الأردني الكبير لموقع "ميدل إيست آي".
هنا تتجاوز القضية سلوك التهور والرعونة، كما تتجاوز عقلية الثارات والانتقام والحسابات الداخلية، لأنها قضية تتعلق بصراع مرير ممتد على مساحة قرن من الزمان في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدف فلسطين والأردن معا.
لكل هذا فإن فلسطين والأردن أمام تحد وخطر وجودي، خطر لا يحتمل المناورة أو الالتباس، هذا يعني صد محاولات محمد بن سلمان وحلفه الأمريكي – الإسرائيلي، وإفهامه ان الأوطان لا تباع بحفنة دولارات. هذه الحقيقة ذاتها أدركها اللبنانيون جيدا أثناء أزمة استقالة الحريري كما أدركتها أيضا مصر التي رفضت الاندراج في حرب بن سلمان على إيران وحزب الله.

