في أيام "الكاوبوي" الذهبية، كان المبدأ الحاكم هو: اسحب المسدس واطلق النار فورا، وبعدها فاوض!.
هذا ما حاول دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض أن يقوم به، أي التصرف بعقلية الكاوبوي، المشكلة أنه في كل مرة كان يسحب فيها المسدس كان يضطر سريعا أو بطيئا إلى خفضه وإعادته إلى جرابه، ذلك لأنه اكتشف الفرق الشاسع ما بين شروط سحب المسدس وشروط إطلاق النار، والسبب أن العصر والمرحلة غيرهما عن أيام حمى الذهب، أيام "اطلق النار ثم فاوض!".
من يراقب بهدوء ويجمع ويطرح جيدا، أي بعيدا عن الهلوسات السياسية سيلاحظ أن تهديدات أمريكا ومنذ عقد تقريبا ليست سوى عملية ابتزاز باستخدام القوة، ولكن ماذا سيحدث حين تدرك أمريكا حدود قوتها وقوة خصومها، وحين يدرك خصومها جيدا حدود ما تملك أمريكا وما يملكون من قوة أيضا!؟. ماذا سيحدث حين يدرك الجميع أن موازين القوى قد تحركت وتغيرت في ميدان الاشتباك بصورة استراتيجية تعيد رسم المعادلات في السياسة والجغرافيا والتحالفات!؟. أليس من الطبيعي والمنطقي استثمار إنجازات الميدان وتحويلها إلى منجزات سياسية واقتصادية...!؟ وهل هناك عاقل يحقق الانتصارات ثم يقبل أن يتنازل هكذا للطرف الفاشل.!؟.
في غضون أيام قليلة، تراجعت الإدارة الأمريكية مَرّتين: الأولى عندما أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نَظيره التركي رجب طيب أردوغان بأنّ بِلاده أوقفت تسليم حُلفائها الأكراد (وحدات حماية الشعب الكُردي) أيَّ أسلِحَةٍ جديدة.
والثانية عندما قَرّرت إبقاء مكتب مُنظّمة التحرير الفِلسطينيّة في واشنطن مَفتوحًا، وهي التي هَدّدت بإغلاقه ما لم يَذهب الرئيس محمود عباس إلى مائدة المُفاوضات دون شُروطٍ مع تل أبيب.
ترامب أقصد أمريكا تدرك أنها تواجه اليوم دولا وقوى تملك من مقدرات القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية ما يجعل الكاوبوي يفكر ويعد للألف قبل أن يسحب مسدسه ويطلق النار فعلا في ساحة المنازلة.
لنتذكر تهديدات أمريكا ووعيدها ضد إيران إذا لم ترضخ لشروطها بخصوص البرنامج النووي، وفي النهاية وقعت على الاتفاق واعترفت بإيران دولة نووية، واليوم تعود بتهديد إيران بالتراجع عن الاتفاق إذا لم يتم تعديله وتعديل برنامجها الصاروخي وفق شروط أمريكا وإسرائيل، ومع ذلك فإنها لا تقوم بخطوة جدية واحدة لترجمة هذه التهديدات فعلا، باستثناء الضغوط الاقتصادية والسياسية.
لنتذكر تهديداتها ووعيدها بالثبور وعظائم الأمور لكوريا الشمالية وزعيمها المتمرد الشجاع كيم جونغ أون في حال لم يوقف برنامجه النووي وإطلاق صواريخه البالستية، فترد كوريا باختبار قنبلة هيدروجينية، وتواصل ألعاب الصواريخ البالستية فوق بحر اليابان.
لنتذكر حكاية الخطوط الحمراء الأمريكية على الحدود السورية العراقية، وكيف سقطت تحت أقدام الجيش العربي السوري والجيش العراقي وقوات المقاومة في البوكمال والقائم.
لنتذكر كيف تركت مسعود برزاني وحيدا كالفأر في المصيدة بعد أن شجعته سرا على استفتاء الانفصال عن العراق فيما شجعته إسرائيل علنا.
في هذا السياق بالضبط يأتي تراجع الولايات المتحدة اليوم عن وعودها للأكراد في شمال سورية أمام تهديدات أردوغان، وفي ذات السياق يأتي تراجعها أيضا عن تهديدها بإغلاق مكاتب م.ت.ف حين اتخذ الرئيس الفلسطيني موقفا واضحا بوقف الاتصالات مع الإدارة الأمريكية.
بطبيعة الحال هذا السلوك السياسي الأمريكي ليس تعبيرا عن غباء أو رعب، كما يعتقد البعض، فأمريكا لا تزال قوة عظمى بالمعنى العسكري والاقتصادي والسياسي، لكنها قوة تدرك معنى التغير في موازين القوى، ومعنى فشل حلفائها وهزائمهم وضعفهم، ومعنى انتصارات وإنجازات الخصوم، كما تدرك معنى تشابك المصالح ومعنى المناورة والبراغماتية، لكل هذا فإنها تدرك جيدا حدود قوتها وحدود قوة خصومها وحلفائها أيضا، لهذا فإنها وبعيدا تحرشات وفرقعات دونالد ترامب لا تقدم على خيارات ومغامرات أو حروب تعرف مسبقا أنها خاسرة أو لا تخدم مصالحها.
الفكرة أن أمريكا، يجب أن يحسب لها حساب ، ولكن ليس إلى حد الذعر والرعب، فهي لم تعد تخيف اليوم إلا قطيع المذعورين من العربان الذين ترتجف سيقانهم أمام "العم ترامب"، الذين لا زالوا يعتقدون أن أمريكا قدر لا يرد وأن بيدها 99.99% من أوراق الحل والعقد، وأن "مسدس الريفولفر" لا يزال بمقدوره تحديد أقدار الأمم والشعوب، لهذا يفتحون له خزائنهم ويقفون بين يديه ببلاهة كبقرة حلوب.
هذه الحقيقة أو الواقع ينطبقان أيضا على إسرائيل ولكن بصورة أكثر اختلالا، فهي أيضا لا تزال تعتاش على تاريخ قوتها، بينما هي في الواقع عاجزة عن المبادرة للذهاب في أي مغامرة تدرك جيدا أنها ستدفع أثمانها الباهظة بما يفوق قدرتها على التحمل. لهذا فإن أفضل طريقة بالنسبة لها هي استخدام بعض الأغبياء من العربان ليغامروا ويقامروا برؤوسهم وأموالهم لتحسين شروط التفاوض التي يقررها ميدان المواجهات الدائرة لا أكثر.
هذه التحولات والتغيرات الكبرى الجارية في المنطقة والعالم وما ترتب عليها من إزاحة في موازين القوى، لغير صالح أمريكا وإسرائيل، توفر فرصة جدية وتاريخية بهذا القدر أو ذاك، بما يعزز شروط الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعدم الذهاب إلى أية تسويات أو مفاوضات تضرب تلك الحقوق... واستثمار هذه التحولات سياسيا بما يشد من عصب الحالة الفلسطينية ويخرجها من تحت مظلة الهيمنة والتفرد الأمريكي والغطرسة الإسرائيلية.
صَدَقَ الرئيس المِصري حسني مبارك المَعزول عندما قال "المِتغطّي بالأمريكان عَرْيان".

