Menu

الهبة الشبابية الثالثة.... وبناء المشروع التحرري!..

الهبة الشبابية الثالثة.

محمد صوان

جيل جديد في فلسطين يذهب إلى مواجهة شرسة وباسلة مع الاحتلال الاسرائيلي بلا تنظير أو ضجيج فنحن في ((زمن الاشتباك)). - حسب تعبير الشهيد الشاب باسل الأعرج- بعد ما أصبحت المهرجانات الخطابية والكرنفالات الاحتفالية عبثاً وتحولت إلى عبئاً.. هذا الجيل ليس يائساً من الحياة، لكنه يائس من النفاق والمنافقين.

جرت محاولات عديدة لتحليل وقائع الهبة الشبابية، وظاهرة تميزها عن جميع الخطابات السائدة، خطاب الفصائل والسلطة والمفاوضات وحل الدولتين والمقاومة الممهورة بوقف التنفيذ... هذا التيه السياسي الشامل الذي يعيشه النظام الرسمي العربي، بعد أن خرج العرب من المعادلة، وأصبحوا ملعباً ولم يعودوا لاعباً حتى في ملعبهم.. الحديث عن الملعب العربي لا يعني تبرئة اللاعب الفلسطيني الذي غيب عن الخريطة السياسية.. والنقد هنا ليس وسيلة تعبير فحسب بل إنه يحمل في ثناياه البدائل، وحين لا تكون البدائل في صلب المشروع الوطني التحرري، يصبح النقد نافلاً وبلا جدوى!..

ثمة دلالتان كبيرتان لهذه الهبة المستمرة منذ أواخر عام 2015،ولا تزال تتحدى وحشية الاحتلال وعنصرية المستوطنين الممتلئين بحقد وأطماع التوسع الكولونيالي:

  • الدلالة الأولى: إعلان نهاية مرحلة تاريخية كاملة.. هي مرحلة اتفاق أوسلو وحوامله السياسية والتنظيمية والفكرية التي انتجها. فلم يعد الاتفاق مدخلاً إلى دولة سيادية في حدود عام 1967 بل تحول إلى مسوغ لابتلاع كامل فلسطين التاريخية عبر المزيد من الاستيطان والمعازل وجدران الفصل العنصري.. فالقراءة الفلسطينية لموازين القوى قبل أوسلو وبعده كانت خاطئة وأدت إلى تضخم البيروقراطية والتبعية للاحتلال والفساد والاستبداد, وتحطيم القوى السياسية، وقمع المبادرات الشعبية، وإقامة سلطة هجينة فاقدة للحول والحيلة

مات أوسلو من زمان، وما تقوم به السلطة الفلسطينية في رام الله يشبه من يحمل جثه على اكتافه، ويحاول إقناع الأخرين بأنها لم تمت، لكن الجثة تتحلل والرائحة تزكم الأنوف وهي تهدد حاملها بالفناء، لكن حاملها لا يريد دفنها، ولا يزال يعتقد أن أعجوبة ما ستحييها.. الخطر ليس على حاملي الجثة المتحللة فقط فهم يعلمون أن زمنهم انتهى وإنما على الشعب الفلسطيني برمته، ومن الطبيعي أن يدافع الشعب عن نفسه وعن حقه في العودة و تقرير المصير والاستقلال الناجز.

وأن تدير الشابات والشبان ظهورهم للجثة وحاملها، وان يبحثوا عن طريق جديد.

  • الدلالة الثانية: تكمن في صعوبة السير على الطريق الذي ضاعت أجزاء كبيرة من معالمه، وهذا يعيدنا إلى مرحلة التيه التي اعقبت نكبة 1948، والتي أملت على الشعب التائه البحث طويلاً, وقد طال انتظارهُ حتى بداية عام 1965، حين بدأت طلائعه الفدائية في شق طريق الثورة المعاصرة.

فحين نتحدث عن مرحلة التيه التي امتدت لثمانية عشر عاماً فنحن لا نقترب سوى من نصف الحقيقة، ففي عتمة التيه لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن الفعل. بدءاً من آلاف المتسللين الذين حاولوا العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم ، مروراً بالمشاركة الفاعلة في حركات التغيير العربية، وانتهاءً بالعمليات الفدائية البطولية واختراق الحدود العربية نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة, نواجه اليوم صعوبة مشابهة، لكنها ليست مستحيلة أو جامدة.

 بل هي صعوبة تبحث عن مخارجها ووسائلها وسط التوحش الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في انحاء الوطن المحتل ومخيمات اللجوء والمهجر.. والصعوبة اليوم أكثر قسوة من مصاعب ما بعد نكبة عام 1948.. وهذا يعود بالأساس إلى تفكك النظام الرسمي العربي، والغرق في رمال الحروب  الأهلية الداخلية التي اطاحت بجدوى الدور العربي في المرحلة الراهنة، وهي مرحلة تبدو طويلة للأسف.

تقودنا هاتان الدلالتان إلى حقيقة أن القضية الفلسطينية تعيش اليوم مرحلة اضمحلال ظهيرها، وغياب مشروعها الوطني والقومي.. فالزمن القديم تلاشى، والزمن الجديد لم يولد بعد.. لذلك لجأ شباب فلسطين وشاباتها إلى المبادرات الفردية والعفوية، معلنين أن المقاومة ليست تعبير عن موقف سياسي فحسب، بل هي تعبير عن الحق في الحياة الكريمة والحرة، فوسط الإذلال المتمادي، وفي ظل هيمنة نظام الآبارتهايد الكولونيالي.. وحين يحرق الأطفال أمام عيون ذويهم، ويدمر الزرع وتجرف البيوت وتتوسع المستوطنات ويعربد قطعان المستوطنين، فإن البقاء على قيد الحياة، والدفاع عن الأرض والحقوق، لهما عنوان واحد هو المقاومة, ما أصطلح على تسميته (الهبة) أو الانتفاضة، هو فعل موجه نحو الذات وضد الاحتلال معاً، وهو يشبه عودة الفلسطيني إلى قريته المدمرة بعد نكبة عام 1948، لكنه يفترق عنه في انه يختزن تجربة أكثر مرارة مع المحتل، إنه ابن نكبة مستمرة منذ سبعين عاماً، نكبة يتناوب على ممارستها اليمين واليسار الصهيوني.. نكبة لا افق قريب لنهايتها، لأن من يمارسها يعتقد أنه يمارس حقاً إلهياً، ويعيد انتاج أساطير توارتية زائفة صنعها الزمن الكولونيالي  الذي يستعاد اليوم في جنون صعود اليمين الشعبوي الفاشي في الغرب الرأسمالي

تتميز طليعة المرحلة الجديدة بأنها لا تحمل مشروعاً جاهزاً او أيديولوجيا مغلقة، وانما تعلن لشعبها بأن شرط خلاصه هو استعادة فكرة الحق الفلسطيني الكامنة في الصمود والمقاومة

وما قامت وتقوم به الهبة الشبابية هو اعادة تأسيس هذا الحق عبر تحويل التحرير الوطني إلى افق للتحرر من الكولونيالية والعنصرية وإلى مشروع انساني يكسر حلقة الرعب التي تصنعها الهمجية الصهيونية فوق الاراضي العربية.

 المفاوضات مع الاحتلال لا تغير موازين القوى بل هي تعبر عنها.. المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية كانت عقماً وعلقماً والمفاوض الفلسطيني لا يمتلك ميزان قوى يؤهله للتفاوض كما أن رديفه العربي المفترض  لم يكتفي بالانسحاب من أرض المعركة وإنما أنهار داخل بلاده.

 نحن أمام أخر احتلال يؤسس لنظام أبارتهايد معلن وجلي في فاشيته... ومقاومة هذا الاحتلال تتطلب رؤية جديدة،  واجتراح أدوات نضالية ملائمة.. مواجهة نظام التمييز العنصري والتمدد الكولونيالي بدأت فعلاً وهي تتبلور ببطء لكن بثبات، في ساحات المواجهة اليومية، وتتخذ لنفسها عنواناً أعلنه الشاعر الكبير محمود درويش: ((على هذه الأرض ما يستحق الحياة)) شابات وشباب فلسطين يعطون المقاومة بعداً جديداً يتجاوز بعدها السياسي: تقاوم لأنك تعيش ولأنك لا تريد أن تموت.. شعب يواجه آلة دمار منظمة مجرداً من أي دعم. فصائله وسلطتة لا يحمونه، والنظام الرسمي العربي غارق في كوابيسه، والعالم لا يبالي، لكنه يعرف أن ساحات مواجهته في هذه المرحلة الصعبة هي التي ستقرر، مصيره، ولذلك فإنه لا يملك سوى خيار واحد اسمه المقاومة بالصمود.

رسالة هذه الهبة إلى شعبها تقول: إن زمن المفاوضات انتهى إلى كارثة، وكسر الركود مطلوب من أجل تأسيس وحدة وطنية جديدة تقوم على أرض المعركة وليس في كواليس النظام الرسمي  العربي والاقليمي، ومن أجل استعادة كامل الحقوق الوطنية والقومية المشروعة.. لقد فشلت جميع محاولات علاج الوباء الصهيوني الذي يجتاح المنطقة، وثبت أنه لا حل مع المشروع الكولونيالي، لكن أيضاً لا حل مع مشروع ضبابي يتأرجح بين الأصولية الظلامية والفكر الطائفي والتعصب المذهبي البليد, والأفق مفتوح لتحطيم نظام الفصل العنصري الذي هو جزء عضوي من المشروع الصهيوامركي، وأيضاً التمسك بحل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة على كامل فلسطين التاريخية.. حل جذري يعيد الحق لأصحابه الفلسطينيين من جهة ويقدم من جهة أخرى أفقاً ديمقراطياً يحرر الجلاد من صهيونيته وعنصريته التي لن تقوده إلا إلى الخراب والتهلكة.