فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ الربع الأول من القرن العشرين وحتى اللحظة في تحقيق إنجازات تذكر على الأرض في سياق عملية التحرر والتحرير الوطني، كما فشلت بدورها الثورات السابقة وحركة المقاومة المعاصرة في تحقيق أهدافها المرحلية والاستراتيجية التي أعلنتها بنفسها كهدف لنضالاتها العسكرية والسياسية، يجب الاعتراف بكل ذلك.
باستثناء تثبيت الحق والهوية والتمسك والاستمرار-على أهمية ذلك- لم يتم تحقيق شيء تاريخي حتى الآن، فمسيرة تحقيق التراجعات المتعاقبة منذ بداية كل مرحلة حتى نهايتها أو أفولها أو استبدالها، لم تكن بسبب الإحجام عن التضحيات بشتى أنواعها، بل كان العامل الأساس في المسألة هو بالضبط عدم وضع استراتيجيات نظرية وواقعية وعملية ومستقبلية تشكل الحامل والموجه لهذه النضالات، التي لا نبالغ إن قلنا بأنها الأسطع عبر تاريخ البشرية، من حيث الكم والنوع والقدرة على التضحية، وهذا كان بسبب نسبة التأييد الشعبي العالي والتفاني في تقديم التضحيات وتحمل المآسي والظروف القاسية من قبل شعب بأكمله.
اليوم هناك فرصة للفلسطينيين -على الأقل- بوقف مسيرة التراجع والانتكاس هذه، ف القدس عادت إلى الواجهة بوصفها عاصمة فلسطين ويحظى ذلك مجدداً بتأييد عالمي بعد أن كان سؤال المصير يؤدي إلى الهاوية، ومن الواضح أن فصائل المقاومة بدأت تفكر نسبياً بشكل أكثر عمقاً وهدوءاً، والسلطة ذاتها التي بنيت على اتفاقات أوسلو – الوهم، أضحت تناضل ولو بدبلوماسية بشكل يبدو منظماً نسبياً أيضاً، على عكس ما كانت تلهث من أجله، وعلى سبيله.
هذا يعني أن تحولات في مبدأ التعاطي النظري الفلسطيني عموماً مع القضية– الفكرة، بمختلف جوانبها، أو على الأقل رؤيتها من عدة زوايا، لا من واحدة فحسب، وقد لوحظ غياب الخطب المجانية في المرحلة الراهنة، وهذا بحد ذاته جانب ايجابي.
لقد ثبت عملياً اليوم أن أياً من الخطابات الحماسية أو التفريطية لم ينفعا، كان كلاهما خاطئاً وقد فشلا، ذلك أن الخطابين، أعني خطاب المقاومة والمساومة لم يحققا ما يصبوان إليه عملياً، وبعمق أشد أهدرا الوقت في الشعارات من ناحية والعمل السياسي من ناحية أخرى، مما سمح للكيان النازي الذكي الاستمرار بل تصعيد وتكثيف منجزاته، ولنا في تحقيق إنجازات استيطانية أماثيل واضحة وعبرات، لقد حقق العدو النازي الذكي كثافة استيطانية عالية في الوقت الذي كان يتحدث فيه عن السلام أكثر بمرات مقارنة مع أوقات تصعيده الكلامي والحربي.
لطالما فقد الفلسطينيون هذه الصراحة في محاكمة أو لنقل قراءة تاريخهم، وقد بدأً ذلك منذ فشل ثورات عدة، منذ 1920 وبعد ذلك حتى ثورة 1936 العظيمة الجارفة الشاملة الشجاعة، مرورا بالنكبة 1948 والنكبة الثانية 1967 ثم تجربة الأردن ولبنان وتهجير المقاتلين الفدائيين قسراً، ثم انتفاضة 1987 إعلان قيام الدولة وأوسلو وانتفاضة 2000 واغتيال أبو علي مصطفى واعتقال الأمين سعدات واغتيال الرئيس عرفات وتجربة غزة المؤلمة إثر انقلاب حماس المدمر الذي تراجعت عنه بعد معاناة أهل القطاع المضنية، والحروب على قطاع غزة، وتشريد اللاجئين من مخيمات سوريا، وافتعال المشاكل الدائم في مخيمات لبنان، وتهجير الفلسطينيين من الشتات المجاور إلى الشتات البعيد وتحقيق الصهيونية لمكتسبات جمة في غير جانب.
إن من أهم ما عجز عنه الصهاينة وعملاؤهم هو وأد الثقافة الوطنية والهوية الفلسطينية وهذا يسجل للفلسطينيين ومنظمة التحرير والفصائل والجماهير وعلى رأسهم الصامدين في المناطق المحتلة عام 1948 صمودهم وتمسكهم بفلسطينيتهم وعروبتهم على الرغم من الضغوط والمغريات الرهيبة وسياسة التهميش والأقصاء والحجر من قبل الأنظمة العربية كافة، ومحاولة تبديد الهوية من قبل النازية العنصرية الصهيونية.
هذا الإنجاز جيد من ناحية، لكنه غير كاف لتحرير وطن!
لم يكن دخول المفاوضات جريمة، الجريمة كانت بكيفية التعاطي المتنازِل وغير الذكي وغير المهني مع القضايا المهمة والخطيرة، ثبت ذكاء قيادة الكيان وغباء قيادتنا ونحن جميعاً معها بمن فينا من عارضها خطابيا وشتائمياً، حتى حقق المحتل إنجازات وخسر صاحب البلاد برمتها منذ فجر التاريخ ما كان يمكن أن ينجزه، واليوم أيضاً تجد أصواتاً فلسطينية تصمت ولا يحلو لها مهاجمة المنظمة أو السلطة أو الفصائل إلا في اللحظات الحالكة التي يشن فيها العدو هجومًا، مثلاً تطرح قضية اعتراف ترامب فيبدأ الهجوم على السلطة والرئيس! وغالبية هذه الأصوات وطنية بريئة ساذجة طبعاً، لكن بعضها قد لا يكون كذلك!.
تجد اليوم من يعارض مؤتمراً إسلامياً حول القدس يتخذ قرارات ليست تاريخية لكنها متضامنة مع العاصمة الفلسطينية، هذه المعارضة سببها فقط لأنه عقد في تركيا ولكراهية أردوغان، ولو عقد في مكان آخر لاعتبروه مؤتمراً نصيراً للقضية، إن في ذلك قمة الاستلاب والغباء والتسيب.
هنا تأتي القدس بقضيتها الصاخبة كفرصة لإنقاذ الجميع، إعادة المسار الصحيح للعمل السياسي والدولي والقانوني، والتصويب الذكي الهادف لبندقية المقاومة وصواريخها بحيث تكون هادفة ومثمرة تماماً، وتوجيه حركة الشارع كما ينبغي لتحقيق المكاسب وتقليل الخسائر، وهو ما يصدم حين نرى أن بعض الفصائل همها من حصد ثمار الانتفاضة هو تغطية تراجعها واستثمارها للحالة الجماهيرية لجهتها، ولقد رأينا بعض الفصائل تنشر راياتها طامسة علم فلسطين ذاته ومجسم القدس، وهو ما تستشعره الجماهير وتهمس به ساخطة بشدة هذه الأيام!.
التبعية لمشاريع خارجية مهما كانت نواياها وشعاراتها لا تقل خطورة عن التفريط بالحقوق، وتغليب مصلحة الفصيل على مصالح وأهداف القضية السامية هي أيضاً تشكل خطورة مماثلة.
إن الاستعاضة عن العمل الجدي الواعي بالتضحية يجعل من هذه التضحية هباءً منثورا، وغياب برنامج سياسي وثقافي شامل جامع- على أنه كان موجوداً دائماً لكن بشكل غير منظم ومتكامل تماماً، وتنقصه الشمولية والمستقبلية العملانية- جعل هذا من الجهد والنضالات كأنها لم تقع ولم تكن في حالات عدة، وناقصة الإنجاز في حالات أخرى، فلا منع احتلال فلسطين وإفشال برامج الصهيونية، ولا التحرير الشامل الذي طرح بعيد النكبة قد تحقق هو أيضاً، والآن نشهد انهيار أوسلو، ولعبة السلام الوهمي وإعادة ترتيب الأولويات، وذلك بعد الانكشاف المطلق الصارخ الذي فهمه الجميع بوضوح جائر، وإثر وقاحة إعلان العاصمة الفلسطينية التاريخية الأبدية كعاصمة للكيان الإرهابي المصطنع.
في المراحل الأولى منذ العشرية الأولى للقرن العشرين، بدأت النازية الصهيونية والقوى الاستعمارية الحليفة لها، والمشيخات العربية الموعودة بكرسي الحكم القُطري تعد العدة لبنان كيان يهودي صهيوني- كانت قبل ذلك في مرحلة الحلم العنصري الديني لا أكثر-، وبدأت يومها العمل على ذلك فعلياً، وسرعان ما استشعر الفلسطينيون ذلك فبدأوا يعدون بدورهم للتصدي للهجمة العالمية الكبرى التي سعت لترتيب قواها من كل جانب مقابل شعب أعزل.
لم يكن لدى الفلسطينيين استراتيجية متكاملة، ولكن ماذا تعني عبارة استراتيجية متكاملة؟.
هناك تعريف خاص غير أكاديمي تماماً وإن كان يلتقي معه، الاستراتيجية فلسطينياً هي رسم واضح منظم كلي للخطوط المستقبلية، يشمل ذلك النهج السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والقانوني والتنظيمي والنضالي والثقافي، وهذا النضالي والثقافي هو الوحيد الذي برع فيه الفلسطينيون، ولهذا لم تسقط القلعة تماماً، لكن بقاء القلعة مهترئة بلا صيانة يعرضها للتآكل والسقوط في أية لحظة.
لماذا لا يعمد الفلسطينيون إلى تشكيل مجلس ما "مجلس حكماء مثلاً" يضم الخبراء في مختلف الاختصاصات بدءاً بعلماء التاريخ والآثار والمفكرين والاقتصاديين والسياسيين والعسكريين والفنانين والأدباء ومختلف الطاقات الأخرى.
طالما أنهم لم يفعلوا ذلك، لن يكون هناك استراتيجية حقيقية، والثورة والمقاومة والعمل السياسي والقانوني وغيره بلا استراتيجية مهما كانت صادقة لا معنى لها سوى المزيد من الخسائر والشهداء والأسرى والضحايا والمآسي، في الوقت الذي يحقق فيه العدو إنجازات على الأرض، ذلك أنه نظم خططه واستراتيجيته.

