Menu

عنف اللغة: أنت "كافر"!.. أنت "إرهابي"!.. أنت "مَرَا"!

نصّار إبراهيم

"أنا حر وأقول ما أريد قوله"، هذه العبارة الشائعة تحمل مضمونا واضحا وحاسما، بمعنى أن لا أحد يملي علينا ما نقول، ولكن هل هذا حقيقي وواقعي، بمعنى هل الكلام الذي نقوله هو فعلا كلامنا!؟.

هذا السؤال قد يبدو بسيطا ومضحكا، ولكن حين ندرك تاريخية وتعقيدات وخصوصيات نشوء وتشكل اللغة والكلام، سنفهم بعدها خطورة اللغة والكلام، فاللغة ليست مجرد أداة تعبير تقنية بل إهي أولا عملية تفكير، بمعنى أنه من غير الممكن أن تتكلم بدون تفكير، كما من غير الممكن أن تفكر بدون لغة وكلام (سواء كان ذلك مسموعا أم مقروءا أم في رأسك.. حاول جرب!) بمعنى أنه لا يمكن فصل اللغة عن عملية التفكير، لهذا حين ترجمة نص من لغة إلى لغة أخرى فإن شرط أن تكون الترجمة دقيقة هو أن "يفكر" المترجم باللغة التي سينقل إليها النص، ولكن بما أن اللغة هي منتوج اجتماعي وليس فردي، إذن عملية التفكير بلغة أخرى تعني القدرة على التفكير كما يفكر أهل تلك اللغة، وهذا يرتبط بتاريخ تلك الجماعة وقيمها ومقارباتها وتفاعلهم وانفعالهم.... ومع ذلك ومهما كان المترجم عبقريا فإن النص المتَرجم لن يكون 100% هو ذاته في اللغة الأصلية.

"عنف اللغة" هو عنوان كتاب من تأليف الباحث الفرنسي جان جاك لوسركل، ومحور الفكرة التي يدور عليها النقاش هي "عندما يقوم شخص ما باستعمال اللغة، من يكون المتكلم؟ هل هو الشخص بذاته أم أن اللغة هي التي تتكلم؟ بكلام آخر: هل يكون الشخص المتكلم مسيطراً سيطرة تامة على "الأداة" التي يستعملها، وهي اللغة، بحيث إنه يفعل بها ما يريد وفق شروطه الخاصة ويشكلها وفق تصوراته المسبقة، أم أن اللغة تلعب دوراً أساسياً في عملية التعبير، بحيث تفرض شروطها هي وتتحول "متكلماً" أو لاعباً أساسياً في العملية؟" (من مقدمة الكتاب).

الكتابة حسب لوسركل "هي مشروع ينطوي على أخطار وهي مشحونة بدفعات من الطاقة النفسية والعاطفية لأنها تنطوي على علاقة انتهاكية بل حتى سفاحية بين الكاتب ولغته الأم.

وبالتالي فإن اللغة ليست اداة حيادية، بل هي مجموعة من الكلمات المشحونة بقوة الرغبات والأحقاد والحب ومشاعر الذنب وتكون نتيجة ذلك صياغة أخرى لتناقضات المركزي".

إذن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بل إنها فاعل في كل الاتجاهات، إنها أداة تواصل ورد فعل في بعض وظائفها، كما هي اداة سيطرة وهيمنة، وأيضا أداة هروب وتملص، كما هي أداة قهر وعنف ضارية.

خطورة عنف اللغة تأتي عبر مراوغاتها وتقديم نفسها باعتبارها وعيا وسلوكا حرّا، وفي قدرتها على التملّص، فتحيل ذاتها إلى الوعي والثقافة السائدة، وفقط هي مجرد أداة للتعبير وإيصال الرسالة... بمعنى أنها حيادية وليس لها أي دخل بما يجري.

اللغة هي نتاج التفاعل المتحرك والمعقد للوعي مع الواقع وعلاقاته ومعادلاته المعقدة، أي أنها نتاج التفاعل بين الذات والمجتمع والطبيعة، التفاعل الممتد في التاريخ البشري بكل ما رافقه من تحولات وتغيرات وتحديات وأسئلة، كما هي أيضا نتاج علاقات القوة والهيمنة التي تسود في تلك العلاقات، وبالتالي فهي محصلة ممتدة في التاريخ والحاضر والمستقبل... لهذا فهي متحركة ومتغيرة باستمرار.

يتقاطع مفهوم عنف اللغة في بعض الأبعاد مع مفهوم العنف الرمزي، اي غير مباشر، اي مجرد سلوك أو حركة أو لفظ أو تعابير جسدية، لكنها تحمل في مضامينها الإهانة والاستخفاف والتحقير والدونية والتمييز والتهميش، وكل ذلك بهدف السيطرة والقهر والردع، أو قد يكون ذلك العنف على شكل تطويع وإخضاع عبر اللغة من خلال التمويه والإحالة وتحريك المعنى من خلال التشبيه والكناية والرمز وحركة الدلالات.

بهذا المعنى فإن عنف اللغة بقدر ما يرتكز للمباشر في اللغة فهو أيضا يرتكز للمضمر فيها.

هذا العنف يتأسس في تربة الواقع، وفق صيرورات عميقة تستند إلى علاقات القوة القائمة في كل مرحلة تاريخية ارتباطا بالخصوصيات والسمات الاجتماعية والثقافية والحضارية لمجتمع محدد، وهو عنف عابر للحدود والمجتمعات.

وبقليل من الانتباه والتحليل سنكتشف كم أن عنف اللغة ظاهرة حاضرة وممتدة في الواقع والممارسة الاجتماعية...

الفكر "الديني المتطرف": كافر،علماني، رافضي، ملحد... يكفي أن تتأسس لهذه المفاهيم مرجعية ثقافية وفقهية لتتشكل لها حاضنة وحوامل اجتماعية وبهذا يتم تشريعها، وبعدها ما أن يتم إطلاقها على فرد أو جماعة حتى يبدأ العنف اللغوي بممارسة سطوته، حينها لا يعود أحد يتذكر أو يناقش صحة ودقة المرجعية، إنها حالة انفلات عنفية يصعب وقفها وصدها إلا بفعل تحولات اجتماعية تضرب جذورها ومولِّداتها في الواقع...

خطورة عنف اللغة في هذا السياق أنه عنف قيمي، الأمر الذي يشرعن لاحقا ويبرر ممارسة العنف الفيزيائي ضد من تطلق عليه تلك الصفات من إساءة وحصار وقتل وذبح وسبي واغتصاب... بل ويمتد ذلك ليشمل المنجزات الحضارية الإنسانية باعتبارها، وفق هذا الفكر التكفيري وترجماته في الخطاب واللغة، تمثلات للشرك والكفر وبالتالي يجب تدميرها .. لقد شاهدنا ذلك في تدمير الأوابد الحضارية والثقافية في العراق وسورية وقبلها في أفغانستان.

في هذا الإطار تتركب المعادلات وتصبح أكثر تعقيدا، حيث يتم إعادة توليد عنف اللغة المشار إليه في المستوى الأول وتوظيفه في دينامية تبدو نقيضة، وهي ممارسة العنف اللغوي والمفاهيمي من الاتجاه الأخر، مثل ظاهرة الأسلاموفوبيا في أوروبا، حيث يتم وصم كل المسلمين بالتخلف والعنف والأرهاب، وهكذا تصبح تجليات وتعبيرات الإسلاموفوبيا هي الوجه الآخر لمقاربات وعنف الجماعات التكفيرية.

في هذا السياق يأتي مفهوم الأرهاب، إنه مفهوم يحمل شحنة سلبية عنفية كثيفة جدا، فوصف شخص أو جماعة أو تنظيم بأنه إرهابي، يعني في الوعي الجمعي أنه مجرم وقاتل بدون أي رادع أخلاقي أو قيمي... مما يشرعن استباحته وقتله.

هنا تجري أيضا عملية تأسيس عميقة للبيئة الثقافية والفكرية من أجل تهيئة الوعي ليتقبل المفهوم ويستدخله في قاموس الاستخدام اليومي السياسي والاجتماعي والثقافي.

هذا يشترط بداية تأسيس وتعميم منظومة المعايير وفق ثقافة ومصالح وأهداف الجهة المهيمنة (شخصا، نظاما، دولة، حزبا، طبقة، جماعة) أي الجهة التي ستجري وفق معاييرها عملية المقارنة المباشرة والمضمرة، هنا يجري توظيف مفاهيم مثل: الحرية، حقوق الإنسان، الديمقراطية وغيرها... ولكن وفق شروط وتعريف ومعايير ومضامين الجهات التي تطلقها، ما يعني أن أي إزاحة أو خروج عن تلك المحددات يبيح المواجهة والصدام.

بعدها تنطلق ديناميات الفعل من خلال توصيف الآخر المختلف أو المتمرد أو الثائر على تلك المفاهيم بأنه غير ديمقراطي، معادي لحقوق الإنسان، ديكتاتور، وفي النهاية هو مجرد إرهابي.

أخطر ما في هذا التوظيف هو عملية التحايل والتمويه وخلط الظواهر، كأن تصف القوى الاستعمارية أو قوى الاحتلال، كما في الحالة الفلسطينية، المقاومة من أجل التحرر والاستقلال بأنها إرهابا، حيث يجري تمرير هذا الخلط عبر ديناميتين، الأولى تقديم الذات على أنها الممثل لقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، كأن تضع إسرائيل نفسها كجزء من السياق الأوروبي "المتحضر والديمقراطي والأخلاقي"، والثانية، شيطنة المقاومة وتقديمها كفعل وسلوك إجرامي نقيض.

هنا تغادر اللغة منطق العقلانية ووعي الظواهر، فينفلت المفهوم ويصبح قوة فاعلة من أجل تشويه المقاومة ونزع شرعيتها وإنسانيتها ومضامينها الأخلاقية، إنها تصبح عنفا، ثم إرهابا، ثم إجراما وقتلا... مما يعني شرعية قتل وتدمير من يمارسها، وأوضح تجسيد لهذه العملية هي المقولة المخيفة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"... التي تحولت إلى تشريع وقاعدة قانونية لشن إسرائيل الحروب الوحشية على الشعب الفلسطيني، وفرض الحصار عليه وممارسة الاغتيال والاعتقال وهدم البيوت ومصادرة الأراضي ونفيه ايضا.

وربما تجري العملية بصورة معاكسة، كأن توصف جماعات إرهابية وقاتلة بأنها ثائرة، وأكبر مثال على هذه الحالة ما يجري في سورية، حيث تجري عملية تعمية لغوية على تلك الجماعات بهدف تقديمها كجماعات لها مشروع شرعي، مقابل شيطنة نقيضها، يحدث كل هذا بصورة منسقة في وسائل الإعلام والخطاب السياسي والاجتماعي، فمن جهة تتم عملية إخفاء وتهميش ممارستها الإرهابية أو نسبها لنقيضها، ومن جهة أخرى يتم تظهير إنسانيتها أو تصنيعها لغويا وإعلاميا، بحيث تهيمن منظومة مفاهيمية ولغوية بأن تلك الجماعات هي حركات معارضة لها أهداف اجتماعية وسياسية عادلة في مواجهة دولة قمعية وقهرية شمولية تقتل شعبها لمجرد القتل.

أما في السياق السياسي- فيتمظهر عنف اللغة في المفاهيم والتوصيفات السلبية والدونية التي تطلق على على جماعة بشرية أو شعب ما.

لقد تأسس عنف اللغة على هذا الصعيد عبر صيرورة تاريخية اجتماعية اقتصادية وسياسية عميقة، شكلت بمجملها منصة صعود وهيمنة الفكر العنصري والاستعماري ضد الشعوب والأمم الأخرى... وكنقطة إنطلاق وبهدف تشريع الاستعمار ونهب الشعوب الأخرى يتم في البداية اسباغ قيم حضارية وإنسانية على الدولة الاستعمارية باعتبارها تقوم بتأدية رسالة إنسانية جوهرها تحضير الشعوب الأخرى... من هنا جاء مفهوم "حِمْل الرجل الأبيض" في تمدين الشعوب "المتخلفة/المتوحشة/ البدائية".. هذا الفكر العنفي وترجماته اللغوية قاد إلى ويلات ومجازر ومذابح وحروب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية كما قاد إلى العبودية المروعة في إفريقيا وإبادة ملايين السكان الأصليين وخاصة في أمريكا الشمالية واللاتينية... كل هذا إلى جانب تدمير ونهب إرثها الحضاري.

عنف اللغة والمرأة: استغلال وإخضاع المرأة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا جرى عبرعملية اجتماعية تاريخية طويلة، مما إدى في النهاية إلى هيمنة القيم والثقافة الذكورية كمرجعية للقياس، أي التمركز على الذات الذكورية "أندرو سينتريزم"، فيما المرأة تابعة وخاضعة.

لقد جرت هذه العمليلة كصيرورة طويلة... وهي موغلة في الخطاب والثقافة وصولا إلى مسؤولية المرأة عن الخطيئة الأولى، دون التوقف أمام سؤال بديهي: ما دامت العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وحتى قبل اكتشافها اي قبل لحظة حدوثها الأولى تعتبر خطيئة... فلماذا تم خلق الجنسين (الذكر والأنثى) أصلا...؟ وإذا كان هذا الأمر قابلا للنقاش على صعيد الإنسان الواعي .. فكيف نفسر ونبرر ممارسة الكائنات الأخرى لهذه الخطيئة وبصورة غريزية وفطرية؟.

لقد جرى تمرير وتبرير هذه الإزاحات من خلال توظيف الفوارق البيولوجية الطبيعية وما يرتبط بها من أدوار اجتماعية بحيث تصبح تلك الاختلافات البيولوجية الطبيعية معادلة للنقص وعدم الكمال أو السويّة الفيزيائية... هكذا تصبح الأنثى ضعيفة بذاتها، هشة، عاطفية، لا عقلانية، عورة، عار.. كل هذا من أجل الحط من قيمة دورها وقيمة عملها، وبالتالي الحط من مكانتها الاجتماعية... إنها تصبح "مَرَا/إمرأة" وهكذا.. تكريس فكرة "الخلل" في الطبيعة البيولوجية للمرأة باعتبارها مسلمة، هو تعبير عن حكم قيمي ثابت ونهائي، ذلك لأنه يعبر عن "اختلال بيولوجي" طبيعي كمعطى موضوعي لا يمكن تغييره.

وهكذا يصبح وصف رجل لرجل آخر آخر بأنه "امرأة" هو قمة الإهانة، وقد ترسخت هذه العملية العنفية بامتياز حتى أصبحت ثابتا اجتماعيا عاما، إلى الدرجة التي أصبحت معها نسبة عالية من النساء "مقتنعات" بذلك، فكثيرا ما تصف بعض النساء الرجل النذل بأنه "إمرأة"، لنتخيل المستوى المروع لهذا الاستلاب، بمعنى أنك حين تريد أن تهين أحدهم أن تصفه بذاتك أي بما أنت عليه ، أي بماهيتك كمقياس مرجعي للتحقير والإهانة... إنها ذروة العنف الرمزي واللغوي، وحالة استلاب نفسية مطلقة.

في هذا السياق تأتي معظم الشتائم ذات المضمون الجنسي: شرموطة، قحبة، عاهرة، ساقطة وكأن هؤلاء يمارسن "مهنتهن" مع الفراغ، أي بدون مستهلكين، أي بدون ذكور شراميط وساقطين!.

يترتب على هذه العملية منظومة من القيم والسلوكيات والممارسات الاجتماعية التي تستهدف في النهاية حقوق المرأة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجنسية والعاطفية واحتكارها واستغلالها لصالح الهيمنة الذكورية.

فتصبح المرأة التي تطالب بحقوقها الجنسية مثلا وقحة، والتي ترتدي لباسا يتناقض مع مرجعية الحياء والخجل وفق المعايير الذكورية هي دعوة لاستباحتها... أو أن مطالبتها بحقها في أجر متساوٍ هو مطلب غير عادل ذلك لأنه مناقض لنقصها البيولوجي، وكل ذلك يعني ان المرأة تقع في مرتبة أدنى من الرجل على كل الصعد.

هذه هي بعض مظاهر عنف اللغة السلبي، غير أن عنف اللغة هذا لا تقف حدوده عند هذه الأبعاد، ففي سياق هذه العملية يولد نوع آخر من مراوغة اللغة كرد فعل، وهو ما يدعوه لوسركل ب"المتبقي" في اللغة، أي الذي يروغ من قواعد النحو ويتفلت من قوانين الألسنة التي درسها وصاغها فرديناند دوسوسير. هذا الجانب هو الذي يرتع فيه المبدعون والشعراء والصوفيون والمهووسون ومن شابههم. ومع أن الممارسات في هذا الجانب لا تسير بحسب قواعد النحو، إلا أنها، كما يؤكد لوسركل، تغني اللغة وترفدها ولا تنقض عراها (من مقدمة كتاب عنف اللغة).

السؤال هنا: لماذا يذهب المبدعون والشعراء والصوفيون... إلى هذا النوع من اللغة التي في كثير من الأحيان تخرق القواعد وتتجاوز المعقول؟.

قد يرى البعض في ذلك ترجمة لعبقرية الإبداع، يمكن قول ذلك نسبيا، ولكن لماذا...؟

هذه المراوغة في اللغة تعود إلى الاختلال في معادلات الواقع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وما ترتب عليها من محرمات في اللغة، كعنف الاحتلال في مواجهة مقاومة شعب تحت الاحتلال، والعنف والقهر الواقع على المرأة ساسيا وعاطفيا واجتماعيا، والعنف "الديني"، كل ذلك يدفع للتجاوز وتخطي الكثير من قواعد اللغة... طبعا هذا بالإضافة إلى تفاعل الوعي مع الأسئلة التي تنبثق في مواجهة الإنسان في كل مرحلة من مراحل تطور البشرية بما هي أسئلة وجودية وفلسفية وجمالية... وهذا شأن آخر يحتاج لنقاش من مستوى مختلف.

ولكن بالعودة لسياق النقاش حول المستوى المتعلق بالأبداع وانعكاس علاقات القهر السائدة عليه نلاحظ أنه حين يكون الواقع قاهرا وقمعيا فإنه يغدو من الصعب الحديث المباشر عن الآحلام والطموحات والحقوق والحرية، فعلى سبيل المثال، التعبير عن الانتماء وحب الوطن، أو التعبير عن الحب أو الجنس، حينها يتم تجاوز ذلك عبر الإيغال في الرمزية والإيغال في تجاوز قواعد اللغة وتكسيرها لكي يتم تجاوز الرقيب المباشر أو الذاتي، هذا بالضبط ما عناه محمود درويش في مقابلة مع فضائية LBC اللبنانية (1997) حين قال "...أنا أنزعج من شيء واحد، أن تعرف بطاقتي الشعرية بالبعد السياسي... نحن نعيش في مناطق متوترة ومتأزمة أصبحنا فيها رقباء على أنفسنا، فكثرة التعامل مع الرقابة والإدمان عليها قد تحول الشخص إلى رقيب على نفسه، لكن في الشعر يبدو أن الإحساس بوجود رقيب قد يطور جماليات الشعر، وأنا في رأيي إن أي قصيدة يفهمها الرقيب ويمنعها يكون العيب في القصيدة وليس في الرقيب، على القصيدة أن تكون أذكى وأكثر جمالية وحرية، ملتبسة على فهم الرقيب المباشر لها، فالشعر الجميل والشعر الحقيقي هو الذي يعتمد على حركة المعنى وليس المحدد، والذي يتناول الأشياء تناولا غير مباشر، يستعصي على الرقيب، وربما يحبب الرقيب بالعمل".
خلاصة القول ما تقدم هو مرور سريع على مسألة وحقل في غاية الخطورة والتعقيد، وبالإمكان إغنائه بأمثلة لا حصر لها، كما بالإمكان الذهاب عميقا في بعض الجوانب والحقول لنكتشف عوالم لا تخطر لنا على بال.

في النهاية ما أريد التأكيد عليه هو أن اللغة التي نستخدمها هي فاعل هائل، فما نقوله ليس مجرد كلمات، أو جمل، إنها اللغة تأتي بكامل عدتها وقوتها لتقتحم وعينا، فتعاقب، وتستبيح، وتهمش، وتستثني وتهين، وأحيانا ترتقي وتضئ.

 [نشر هذا النص في آذار 2017 –أعيد نشره علّنا ننتبه وندقق جيدا بما نقول قبل قوله]