Menu

فوجدْتُ أنّي يمنية!

بثينة الريمي

أحمد بدير - فيسبوك

أصابعي العشرة، لا تكفي لأُعدَّ عليها ستة عشر جثةً فقدتها.. تُرى ما هي الجُثة!

هي أُذني التي سمعت هذه الكلمة، آه.. نسيتُ أن أخبركم بأنّي لا أرى في الوقت الحالي على الأقل وإذا أردت، سأستعين بإحدى يداي التي غالباً ما أصبحت تُشبه اليدين، أرى النور للحظات، ومن ثم أعود للغرق في الظلمة.

بُثينة الريمي لم تبلغ السابعة من عمرها بعد، فقدت من عائلتها ما مجموعه ستة عشر فردًا، هُم ليسوا أرقام.. يُقال أن الرصاصة في الحرب لا تقتل شخصاً، بل شخصين، تقتله هو، ومن ترك خلفه بلا وداع على شُرفة كانت شرفة، فالصاروخ السعودي عندما احتضن بيت بثينة المُكوّن من ثلاثة طوابق لم يستأذن أحد، هي عادة الموت، قبيحاً كريهاً غير آبه بما سيترك من شظايا ونتوء في يدي بُثينة.

فعلاً هي أشياءٌ لا تشترى، بُثينة لا تعاني من شيء، هذا الشيء هو الذي يُعاني منها، لكن الحرب وإن عادت من حيث أتت، ولو اجتمع العرب أعتذر العرب لا يجتمعون صاحب الحطّة والعِقال بخير، وكل شيء على ما يرام، فلماذا يجتمعون!
أخيراً تكلّم أبي: يقتلونا لأننا فقراء.

محمد الريمي، أمل، هالة، وآية، برديس، وعمار، ورغد، منير، وثمانية آخرون، فقدتهم بثينة، وهم فقدوها، تُرى ماذا تفعل برديس الآن وهي الأقرب عمراً لبثينة، بثينة تحدق في الظلام الذي يحتل عيونها، كما يحدق اليمنيون في حقارة هذا العالم الصامت، فاليمني يموت بالجوع والمرض، ويُدفن حياً تحت أنقاض الأزقة، وسيكون سعيداً إذا لم تقرب الفئران جثث أطفاله النيام بفعل الموت.

ما تفعله السعودية في اليمن يُثير تقزز الشيطان، وبُثينة وحيدة تتحسس آثار الشظايا في جسدها الصغير، لتجعل من نفسها ناياً يئِنُ ولا يذرف الدمع، هي تنتظر عودة برديس، أو عمار، كي يلعبوا سوياً من جديد، أو كي لا تبقى مُغمضةَ العينين.

لنُرتب مساء بُثينة من جديد، علَّ هذا العالم يُصبح لنا من جديد، بعد أن أصبحنا غُرباء، فالصاروخ السعودي يقتلنا لأننا فقراءْ.

يقول الكاتب الليبي الصادق النيهوم في مقالٍ له عام 1968، ليس ثمة أحد يعرف شيئاً آخر، وليس ثمة من يريد أن يفعل ذلك أيضاً، فالمشكلة أصلاً أن الاهتمام باليمن –مثل الاهتمام بالحفريات- يظل هواية للترويح عن النفس حتى يصل إلى مرحلة الدراسة الجيولوجية.. عندئذٍ يصبح كابوساً.

#أنقذوا_أطفال_اليمن