Menu

هل يحتاج العرب لحوار مع دول الجوار؟

د. نيفين مسعد

الإجابة الأولية على السؤال الذى يتضمنه عنوان المقال هي النفي، فقبل بضعة أيام أنهى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارته للسودان وفيها أبرم الطرفان العديد من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية بمليارات الدولارات وهذا ليس بيت القصيد ، فالمهم هو أن السودان عهد لتركيا بإدارة جزيرة سواكن الواقعة على البحر الأحمر لمدة غير محددة ما جعل لتركيا إطلالة على البحر الأحمر ونقلها إلى الجوار المباشر للسعودية وأيضا لمصر. وفى ظل سياسات كل من تركيا والسودان التي أقل ما توصف به أنها غير ودية تجاه مصر تصبح زيارة أردوغان محملة برسائل سلبية، وهى تأتى في إطار التمدد التركي اللاهث في إفريقيا حتى أن تركيا افتتحت قرابة 32 سفارة لها في العواصم الإفريقية خلال 18 شهرا. أزيدك عزيزي القارئ من الشعر بيتا وأقول إنه إذا كانت زيارة أردوغان هي الأولى للسودان منذ عام 1956 فلقد سبق للرئيس الإيراني على أكبر هاشمي رفسنچانى أن زار الخرطوم عام 1991 في ذروة تأزم العلاقات المصرية - الإيرانية على خلفية توقيع إعلان دمشق بين مصر وسوريا من جانب ودول مجلس التعاون من جانب آخر لحماية أمن الخليج العربي من أي تهديد محتمل (في إشارة للعراق تحديدا(، فلقد فهِمَت إيران هذا الإعلان باعتباره تدخلا في شئون الخليج من غير الدول المطلة عليه فكان أن بعثت برسالة شديدة الوضوح لمصر مؤداها أنني حاضرة بدوري في حوض النيل، وأحاط هذه الزيارة لغط كبير سواء بسبب ما تردد في حينه عن وجود معسكرات في السودان لتدريب الجماعات المتطرفة المناهضة لمصر أو بسبب الحجم الضخم للوفد الإيراني المرافق لرفسنچانى ما جعله يغطى كل أوجه التعاون المُحتملة، وفيما بعد تمددت إيران في إفريقيا كما تفعل حاليا تركيا وإن كانت إسرائيل هي التي سبقت للخوض في شعاب القارة السمراء بثقة واطراد.

تعقيدات العلاقات العربية مع كل من تركيا وإيران لا تقتصر على حضورهما الإفريقي وفى الجوار المباشر لمصر والسعودية، فيكفى أن نذكر عناوين القضايا الكبرى في لبنان وسوريا والعراق و اليمن والبحرين لندرك عمق التضارب في المصالح بين هذه الأطراف المختلفة وهذا مفهوم، فإيران وتركيا إمبراطوريتان سابقتان تملكان مشروعين إقليميين مختلفين ويسمح لهما اضطراب الأوضاع العربية بتجديد طموحاتهما التوسعية، وما حديث أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو عما يسمى بالعثمانية الجديدة أو حديث على يونسي مستشار الرئيس روحاني عن عودة بلاده لعهدها الإمبراطوري إلا دليل شفهي على ممارسات واقعية أخطر بكثير من مجرد الكلام. والجارتان الآسيويتان في تنافسهما على وطننا العربي تملك كل منهما أوراق قوة لا تتوفر للأخرى، تركيا هي معقل الخلافة العثمانية وصاحبة التواصل المذهبي مع الأغلبية المسلمة السنية في المنطقة، وإيران هي الجار لسبع دول عربية جميعها دول نفطية وهى التي تمكنت من تكوين جماعات مسلحة في عدد من بلداننا العربية على درجة عالية من الخبرة القتالية تدين لها بالولاء المطلق. وهما تتنافسان فيما بينهما لكنهما تضعان قواعد للاشتباك سواء في وسط آسيا أو في الوطن العربي وتنجحان في إزاحتنا من مناقشة قضايانا.

لكن إذا كان ما سبق يحصى جوانب الاختلاف مع إيران وتركيا فإنه في الوقت نفسه يوجب ضرورة التحاور معهما فليست مهمة أي حوار مجرد التأكيد على نقاط الاتفاق وحدها لكن أيضا تقريب وجهات النظر المختلفة وحماية حد أدنى من مصالح الأطراف المتحاورة. ولقد سبق للدبلوماسية العربية أن كانت لها مبادراتها بهذا الخصوص، فلقد طرح السيد عمرو موسى حين كان أمينا عاما لجامعة الدول العربية على قمة سرت عام 2010 فكرة تكوين رابطة لدول الجوار بالمعنى الواسع لمصطلح الجوار ما يجعله يشمل دولا إفريقية وأوروبية متوسطية فضلا عن تركيا وإيران بطبيعة الحال، لكن تناقضات العلاقات العربية - الإيرانية في حينه أدت لإرجاء بحث الفكرة رغم أن هذه التناقضات لم تكن بحدتها الآن ما أضاع فرصة الحوار. وأضيق من فكرة رابطة دول الجوار وفى سياق مختلف يذكّرنا السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون العربية بمبادرة السيد جاسم الصقر رئيس البرلمان العربي الانتقالي في عام 2007 لإطلاق ندوتين في الكويت عن بعض إشكاليات العلاقات العربية - الإيرانية، وهو ما كان يمكن أن يتطور لآلية مؤسسية على غرار حوارات العرب مع دول مختلفة.

صفوة القول توجد أمامنا دعوة من ظريف وزير خارجية إيران للحوار الإقليمي، ولدينا نحن مبادرات عربية للحوار، وهناك واقع يقول إن قضايا المنطقة لن يحسمها السلاح وإن إسرائيل هي المستفيد الأول من الصراع العربي - الإيراني فكيف ننشئ الحوار إذن؟ ومن هم أطرافه من الجانبين أي من العرب ومن دول الجوار؟ و ما هي مداخله؟ وما هو دور الجامعة العربية فيه؟ وهل يمكن أن يتحاور العرب مع جيرانهم قبل أن يتحاوروا مع أنفسهم؟ وما الشكل الذى يتخذه الحوار وهل الظروف مناسبة لإقامة رابطة؟ تلك هي تساؤلات مقال السبت القادم إن شاء الله.