Menu
حضارة

حماية الحقوق تبدأ من حماية المواطن..

طلال عوكل

وسط مناخات متزايدة العدائية من قبل الولايات المتحدة، وعنصرية من قبل إسرائيل، تتزايد حاجة الفلسطينيين لإعادة بناء وترتيب مؤسساتهم الوطنية، وخياراتهم، وأدوات وأشكال خوض الصراع الذي يتجاوز مضامين وأهداف المشروع الوطني.

أميركا تعيد صياغة نفسها كدولة إمبريالية استعمارية أنانية جداً في البحث عن مصالحها، وتحقيق أهدافها، وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل التي تعرف نفسها بوضوح كدولة ومشروع وظيفي استعماري، توسعي وعنصري. الإجراءات العقابية الأميركية، بحق الفلسطينيين لا تزال في بداياتها، فهي لن تكتفي بخصم مائة وخمسين مليون دولار من مساهماتها في ميزانية الأونروا، والأرجح أنها ستتابع عملية الابتزاز السياسي والضغط على الفلسطينيين وحقوقهم.

وفضلاً عن علاقة المال بقدرة الأونروا على مواصلة القيام بالحد الأدنى من مسؤولياتها تجاه اللاجئين، فإن القرار الأميركي ينطوي على أبعاد سياسية تتصل بالموقف من وجود الأونروا كمؤسسة دولية، والموقف من حق عودة اللاجئين.

السياسة الأميركية تُسقط تباعاً الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني من حساباتها، ما يجعلها تقف على أرضية سياسية واحدة مع سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف، خصوصاً أن مؤشرات الموقف الأميركي من الاستيطان والمستوطنات، تلتقي بالمحصلة مع السياسة الإسرائيلية.

مفردات السياسة الأميركية إزاء حقوق الفلسطينيين، ما وقع منها وما هو متوقع في قادم الأيام، تشير إلى أن الولايات المتحدة قد أعلنت الحرب على الفلسطينيين وحقوقهم، وأيضاً على كل قرارات الشرعية الدولية التي تتصل بهذه الحقوق، وربما أيضاً ضد من يواصل التمسك بتلك القرارات.

إسرائيل هي الأخرى تصعّد من حربها على الحقوق الفلسطينية وعلى قرارات المجتمع الدولي، فما يجري إقراره، أو الشروع في مناقشته على ساحة الكنيست يشير بوضوح إلى أنها، تواصل بتسارع تحولها إلى دولة عنصرية ودولة إرهاب واحتلال.

تتسابق الأحزاب اليمينية التي تتشكل منها الحكومة الإسرائيلية في إظهار مدى تطرفها، والتصاقها بالجوهر العنصري للمشروع الصهيوني، وسعياً وراء تحسين كل منها شعبيته وسط جمهور يزداد انحرافاً نحو اليمين. قرار الكنيست بعنوان « القدس الموحدة» يقدمه نفتالي بينيت زعيم حزب البيت اليهودي، ومشروع قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين يقدمه أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» أما مشروع قرار ضم الجزء الأكبر من الضفة فيكون من نصيب زعيم التطرف حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو.

ربما أدرك العرب الذين اجتمعوا في عمان، أول من أمس، وحتى الذين لم يحضروا، أن ما يجري على ساحة الصراع، لا تقف خطورته عند حدود إعلان ترامب القدس عاصمة لدولة إسرائيل، ولذلك جاء البيان الختامي للجنة السداسية العربية، قوي اللهجة، وفيه بعض الإشارات غير المكتملة، للانتقال من حقل المواقف النظرية إلى حقل المواقف الإجرائية، سيسعى العرب نحو الأمم المتحدة، ونأمل بألا يتأخر مسعاهم لتطوير موقف الأمم المتحدة من مكانة دولة فلسطين من دولة مراقب إلى دولة بعضوية كاملة، وسيعمل العرب على إقناع المزيد من دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين.

مثل هذه المواقف الإجرائية، جيدة كبداية، وهي تنطوي على قدر من التحدي للولايات المتحدة، لكنها تمس مكانتها دون أن تمس مصالحها، والحال أن العرب بحاجة إلى إجراءات تشعر الولايات المتحدة، بأن مصالحها ستتضرر في حال واصلت السياسة التي تعبر عنها إدارة ترامب.

وفي السياق ذاته، من المهم أن اللجنة ستعود وتجتمع، نهاية هذا الشهر، في الرياض لمتابعة الملف، لكن الأهم هو أن تدعو اللجنة إلى انعقاد قمة استثنائية مخصصة لبحث هذا الموضوع حصرياً، رغم علمنا أن ثمة قمة عربية عادية، ستعقد في الرياض خلال شهر آذار القادم. من المناسب في هذا الإطار أن نسجل للأردن موقفه الحازم والقوي، والذي يتطابق مع الموقف الفلسطيني، ما يعني أن الطرفين الفلسطيني والأردني في مربع واحد إزاء خطورة السياسات التي ينفذها محور الولايات المتحدة وإسرائيل.

أمام هذه المواقف، وكثافة الاجتماعات العربية، والتحركات السياسية يبدو الموقف الفلسطيني مقصراً عن أداء واجباته الأساسية التي تؤسس لتطوير مواقف وسياسات الأمتين العربية والإسلامية.

إن مبتدأ الخبر في الموقف الفلسطيني يقوم على إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، على أسس جديدة وصادقة من الشراكة لتأمين صمود المواطن الفلسطيني على أرضه، وتحصين قدرته على خوض الصراع بكل متطلباته وأثمانه. لن نخوض في موضوع المصالحة والعقبات التي تعترض سبيل تقدمها، ومن هو الطرف المسؤول عن التعطيل، لكننا نلفت النظر إلى الآثار الاجتماعية والنفسية التي تطفح على جلود الفلسطينيين في قطاع غزة، ونحو ضرورة تحييد احتياجات الناس عن الخلافات التي تتصل ببطء المصالحة.

علينا أن نثق بأنه لا رجعة عن المصالحة كخيار إجباري للكل الفلسطيني، ولكن لماذا على المواطن المطحون أن يدفع ثمن اختلاف الحسابات؟ قطاع غزة ينهار كلياً تحت وطأة الحصار، والإجراءات، والفقر والبطالة، وتدني القدرة الشرائية للناس إلى أدنى المستويات.

كل شيء في غزة من الصحة إلى التعليم، فالعمل، إلى أبسط متطلبات الحياة، تشير إلى أن سكان القطاع قد دخلوا مرحلة الكارثة، وأنهم يفقدون الثقة والأمل، فأي مصلحة للسياسيين أن يستمر الوضع في التدهور؟.