Menu
حضارة

الثقافة والمعرفة !

حاتم استانبولي

unnamed

الثقافة والمعرفة موضوعان مختلفان من الممكن أن تكون لك ثقافة ولكن من الممكن في غالب الأحيان أن لا تملك المعرفة. الثقافة لها اوجه مختلفة تتعلق كثيراً في منطقتنا بالخلفية الفكرية والعقائدية للفرد أو المجموعة أو المجتمع وعادة ما تختصر الثقافات بالثقافة السائدة وهذا ما تتسم به المجتمعات الشرقية. التدقيق في ما حولنا نجد أن الأغلبية لهم ثقافة أحادية وبالرغم من أننا نعلم أنها ثقافة لا تتوافق مع تطورات العصر إلا أن بحكم العادة تمارسها الأغلبية الساحقة. والسؤال هنا يطرح لماذا؟ برأيي السبب هو غياب المعرفة الحسية الملموسة. والمعرفة غيابها بسبب غياب الوعي للثقافة الموروثة واختصارها بترديد مقولات لم يدقق بها. وإلا ماذا نسمي هذه الفوضى المنتشرة من خلال انتشار ثقافة الاحتراب الطائفي والمذهبي والقومي وسيادة النزعات العنصرية التي هي في كثير من الأحيان ناتجة عن عدم وعي طريقة الحصول على الثقافة من خلال المعلومة التاريخية وطريقة استحضارها وتوريثها. وبشكل عام فإن المعرفة تأتي نتيجة النشاط الاجتماعي الفعال وهي انعكاس له. وللحصول على المعرفة تتطلب طرق علمية ووسائل منهجية.

اذا دققنا في الصورة العامة فإننا نرى أن أكثرية (المعارف) تأتي من خلال السمع أو الاستقبال من وسائل إعلامية متعددة  وغالباً ما تتسم بنقل الخبر أو تكرار ما تنشره مراكز أبحاث ممولة.

القفزة النوعية في التطور والانفتاح الاعلامي وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. المدقق بما تحتويه تجدها انعكاس للفوضى السائدة في المجتمعات وتستخدم في كثير من الأحيان بحسن نية أو سوئها لتعميق الفوضى من خلال تناول الموضوعات الهامة والمفصلية  بطرق تتسم بالسطحية وتقزيم التطلعات العامة من خلال تعميم  الرؤية الفردية واعتبارها هي الناظم  بغض النظر عن موقعها.

للمعرفة وسائلها ومنهجها ولتحصين المجتمع يتطلب أن نعيد بناء مفهوم المعرفة والثقافة والفرق بينهما.

يجب أن نتساءل دائماً أن نقل أي خبر يجب أن يعتمد على ذكر المصدر ودقته ومصداقيته. يجب أن تعلم أن  المعلومة التاريخية عند ذكرها يجب أن يُذكر مرجعها. يجب أن نقرأ المعلومة أو الخبر بصورة نقدية.

كيف لمجتمع أن تتطور معرفته وثقافته ولا يوجد مكاتبات عامة في مدنه وقراه أو مدارسه.

الثقافة المتنوعة والمتعددة هي طريق لتعميق المعرفة بشرط أن تكون دائماً تحت منظار النقد والتجديد.

النقد هو أحد اهم وسائل تطوير المعرفة. المقولات والأفكار لا يمكن نزعها من سياقها التاريخي تردادها أو محاولة نقلها حرفيا لتطبيقها هي محاولات ستبوء بالفشل. الخبرة التاريخية والأفكار التي انتجتها هي تملك ظروفها التي من الممكن الاستفادة من ملامحها العامة . يجب ان نقرأ ظروفنا وننتج مقولاتنا وافكارنا التي تتلاءم مع ظروف مجتمعاتنا مستفيدين من إرثنا التاريخي الذي يجب إعادة انتاجه عبر عملية نقدية واعية وشاملة تبرز الطابع الانساني لدوره وتحريره من الجمود العقائدي الذي اتسم به على مدار مئات وألاف السنين . وهذا يتطلب رؤية عميقة وابعد من 3000 عام . إن اختصار التاريخ الإنساني بـ 3000 عام هو ظلم وتغييب للمعرفة والتطور التاريخي للإنسانية.

المعرفة السياسية تتطلب ثقافة ومعرفة متنوعة وعميقة المعرفة السياسية هي تكثيف للمعرفة الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية والقانونية والفكرية. أن تكون سياسي يعني أن تكون قد قرأت صحيفة الأمس واليوم وتساهم في صنع عناوين صحيفة الغد. وأهم شرط للمعرفة السياسية م أجل التغيير أن تكون وطنية أي لا تخضع لشروط خارجية. من الممكن أن تأخذ بعين الاعتبار ولكنها يجب أن تكون الناظم. بهذا الصدد فان الدول أو مراكز الأبحاث والدراسات إن لم يكن تمويلها وطنياً فان نتائجها لن تكون وطنية وإنما خدمة لأجندة الممول.

بالنسبة للدول فإن البنك الدولي والنقد الدولي وتفريخاتهم الإقليمية والمحلية هي التي ترسم شروط أكلنا وثقافتنا وتتحكم بسياساتنا. بالنسبة للمراكز فإن ميزانيات وزارات الخارجية في الدول الرأسمالية يندرج بها بند تحت عنوان تطوير أو دعم الديمقراطية وهو العنوان الذي من خلاله يتم تقويض المجتمعات والتلاعب بمكوناتها الداخلية. وتستخدم للتسلل إلى المنظومة الداخلية للدولة والنظام والمجتمع بحيث تتكون منظومة ضاغطة بالاتجاهين على الدولة ونظامها والمجتمع ومكوناته, وتستخدم لأهداف سياسات مموليها.

الديمقراطية هي عملية متكاملة وتتطلب وعي جمعي لضرورتها وتنتج عن عملية تفاعلية متكاملة بين منظومة الحكم والمجتمع بحيث تقبل منظومة الحكم النقد الواعي الدائم لسلوكها وتتيح الفرصة للمجتمع عبر أدواته المدنية والسياسية حرية العمل والنشاط وتقديم البرامج, وعلى منظومة الدولة أن تحسم ولائها للمجتمع وتتعامل بحيادية معه على أساس القانون والعقد الاجتماعي. إن حماية المجتمع من الفوضى تتطلب تعميم تنوع الثقافة والمعرفة والحصول عليها وحمايتها قانونياً. وهذا ينطبق على أدوات العمل السياسي والاجتماعي (الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ) وأهم ما يميز تطورها هو احترام مواعيد تجديد حياته الداخلية وبرامجه واحترام مفهوم النقد الواعي. فلا يمكن نقد النظام ومنظومته ونعتها بالألقاب التي هي صحيحة في أكثريتها وتمارس ذات الأساليب داخل منظومة الحزب أو المنظمة المدنية أو النقابية. لا يمكن أن تكون بطل الهزيمة لتحاول أن تصنع نصراً.

وأخيراً علينا أن نفرق بين السياسي والناشط السياسي الأول يصنع المستقبل والثاني يعمم ما يقوله الأول.

تراكم الثقافة المتنوعة من خلال ملموسية نقدها تنتج المعرفة الواعية. شرط الوعي هو النقد. واحترام النقد شرط المسؤولية. حدوث النقد الواعي هو تأكيد التفاعل الواعي. النقد الواعي هو أهم عناصر تماسك منظومة الدولة والمجتمع وأساس أمنها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي أجهزة الأمن هي حامية المنظومة القانونية التي تتيح التفاعل الواعي بين منظومة الحكم والمجتمع وهي ليست أداة للسلطة الحاكمة بل هي أداة للدولة وهي دائماً يجب أن تأخذ موقف الحياد. الجيش هو الضامن الوطني لوحدة الدولة بمنظومتها النظام والمجتمع.