من مشهد هجوم القوات التركية على منطقة عفرين السورية، نطل على واقع العالم العربي اليوم، فما يحدث من استباحة يومية للأرض والإنسان في كل أقطارنا العربية، هو حصيلة التشرذم والضعف العربي، وغياب المعاني الحقيقية للسيادة، في مواجهة الهيمنة الإمبريالية وهجمتها المتزايدة لتركيع شعوب هذه المنطقة واستعبادها.
وما يحضرنا هنا هو مفارقة بغيضة بين موقف النظم العربية الرجعية المعادي لمفهوم الوحدة العربية، والمتمسك بالقتال ضد الفكرة القومية العربية وأنصارها، والمتشبث بالحدود ال قطر ية لبلده، وفي المقابل لا يجد أي غضاضة في التدخل المدمر في شؤون بلد عربي آخر بما يقود لتقسيم هذا البلد طائفياً وتدمير مقومات بقاءه.
النظم العربية الرجعية التي دخلت معركة سوريا وخرجت منها تماما ككل معركة سابقة لها، في لبنان والعراق وغيرها، تفرش الأرض خرابا وتنسج أقذر التحالفات من ميلشيات طائفية انعزالية أو تكفيرية في كل بلد عربي، ثم تغادر الحلبة خاسرة دون أي مكاسب، ليتقدم حليفها الأمريكي وربيبه الصهيوني لحصد النتائج.
عمليا تمكنت بلدان وشعوب عربية عدة من دحر التدخل الرجعي العربي، لكن هذا التدخل ترك الباب مفتوحًا أمام الغزو الخارجي، فعلى أرض سوريا اليوم هناك العديد من القوى العسكرية الأجنبية المعادية للشعب السوري وهويته العربية والوطنية، وفي اليمن باتت البلاد مسرحاً لعصابات المرتزقة التي استوردتها قوات الغزو، فحين عجز عساكر السعودية والإمارات عن تحقيق أي تقدم في الأرض اليمنية، تم جلب المرتزقة من أصقاع الأرض ومشارقها ومغاربها ليمارسوا الذبح على أرض اليمن.
هذا المشهد يفتح الباب واسعا أمام السؤال عن مفهوم العروبة وتمثلاتها في هذا الزمن، وعما يجب اتخاذه في مواجهة هذا التساقط العربي، وعن أولويات الصراع فيما العدو الصهيوني يحتل الأرض ويتهدد بقيتها بتوسعه الوحشي.
ولكن المؤكد أننا لم نعرف بعد معنى الاستقلال الحقيقي، فلا زالت النظم العربية خاضعة للهيمنة والتبعية، فيما تقاتل بقية من العرب لأجل السيادة والاستقلال الحقيقييْن، وهؤلاء بالذات -أي الذين يطلبون السيادة- تحيط بهم كل أشكال الحصار، فيما يتهددهم الأعداء من كل جانب وتحشد لأجل سحقهم كل طاقات الغزو وآلات حربه.
لن يعرف العرب يوما الازدهار أو التنمية الحقيقية طالما استمر الاحتلال الاجنبي بشقيه المباشر وغير المباشر، وفي المعركة بين عسكر الترك، وميلشيات الكرد المدعومة أمريكياً، فإن الضحية هو الانسان، الكردي والعربي، والسيادة، ومعاني الحرية والعيش بكرامة، وهو ما يبدو أن علينا أن نقاتل طويلا لنستعيده.

