الظروف المعيشية لمجتمعنا الفلسطيني وما آلت إليه السنوات الأخيرة من مستويات معيشية صعبة على كافة مناحي الحياة وأثرت سلبًا على إحتياجات المواطنين جراء جرائم الاحتلال المستمرة من عدوان وحصار تارة وما فعلته أيدينا عبثاً في تزاحم الفلسطينيين أنفسهم على السلطة جعل آلة البطش الإسرائيلية تعمل ليل نهار على سلب مقدرات شعبنا والاستمرار في عمليات التهويد والاستيطان وطمس حضارتنا وماضينا ومقدساتنا تزامناً مع حالة التيه السياسي والتيبس في عجلة المصالحة الفلسطينية والتي يرى من خلالها المواطن بوابة لحل كافة الظروف الضنكة التي يعانيها أبناء شعبنا من بطالة وفقر وتلوث مياه وارتفاع أسعار السلع والتحكم في السوق المحلي والمحسوبية والمزاجية في استيعاب الخريجين لتوظيفهم في سوق العمل، يجعلنا جميعاً أمام تساؤلات كثيرة على كافة مناحي حياتنا الاقتصادية والسياسية الاجتماعية والدينية وغيرها.
ماذا ننتظر لننهض بمجتمعنا الفلسطيني على كافة القطاعات الرسمية والخاصة والأهلية في محاولة لبناء منظومة من المؤسسات تحمي الوطن والمواطن وتعمل على التقدم بعجلة التنمية الفلسطينية، ماذا ننتظر لنبدأ في بناء استراتيجية ومشروع وطني تنموي حر نبني من خلاله مؤسساتنا الهشة ونوضع من خلاله نظم وآليات وإجراءات وقواعد وقوانين ندير بموجبها مؤسساتنا ونُفعل الرقابة وننظم العلاقة بين الأطراف الفاعلة، لماذا ننتظر الأمين العام للأمم المتحدة أثناء زيارته ل فلسطين ليدعونا إلى بناء مؤسساتنا وحوكمتها.
قبل أيام أفادت وسائل إعلام مختلفة أن الرئيس محمود عباس قرر البدء بحوكمة القضاء لُنسجل خطوة بالإتجاه الصحيح وإن كانت متأخرة أو حتى بداية مقلوبة من رأس هرم الأولويات إلا أنها ضرورة وطنية إدارية وتنظيمية بل وإقتصادية، وبما أن مؤسسات الدولة تهدف إلى تقديم أفضل الخدمات للمواطنين وصولاً إلى الاستقرار والرضى العام بالتزامن مع القطاع الخاص الهادف للربح ولرفد سوق المال بالحركة الاستثمارية والتجارية أما القطاع الأهلي والهادف لتقديم خدمات وجلب تمويل لمشاريع إنسانية، وهنا مطلوب أن نبني على خطوة الرئيس عباس في البدء بحوكمة القضاء ليتم حوكمة كافة مؤسساتنا، كيف لا بعد كل الظروف التي يعيشها شعبنا إذ لا يمكن أن ننتظر خسائر وانهيارات أكثر مما نعيشه هذه الأوقات.
إن مصطلح وفلسفة الحوكمة بدأت ترسو قواعدها ونظمها بعد حالات الفساد والخسائر التي تكبدتها بعض الشركات والمؤسسات الخاصة وأزمات العديد من الدول مثل أزمة المكسيك عام 1994 أو فضيحة البنك البريطاني المركزي (بارينكز) عام 1995 وما نتج عن مشكلة الطرف الرئيس والوكيل أو الأزمة التي ضربت دول شرق أسيا وبدأت عام 1997 وأزمة البرازيل عام 1999 وكشركة انرون كبرى شركات الطاقة بالولايات المتحدة والتي أعلنت إفلاسها عام 2001 جراء عدم دقة التقارير المالية الصادرة عنها وتساهل المدققين الخارجيين مع الادارة التنفيذية وليس أخيرًا أزمة الأرجنتين عام 2002، هذه الازمات التي تولدت بسبب عدم وضع ضوابط كافية لتنظيم السوق وعمل المؤسسات ما أدى إلى تراجع حاد في الاداء الاقتصادي للدول، فحينها وعلى مدار هذه السنوات بدأ العالم يرسي مبادئ الحوكمة من خلال مجموعة من النظم والإجراءات والقواعد والأسس المرتبطة بالنزاهة والشفافية والإفصاح والرقابة والتنظيم والإدارة في بيئة عمل منظمة لها هيكليتها ووضوح علاقاتها ومسئولياتها كضمان تحقيق النمو والتطوير والربح في القطاع الخاص وتنظيم العلاقة بين المساهمون "المستثمرون" وأصحاب المصالح بما يضمن التوافق بين مجالس الإدارة والجهاز التنفيذي، وفي القطاع العام حيث إتباع الإجراءات التنظيمية والمحوكمة من خلال السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية لا سيما المتمثلة أيضًا بمجلس الوزراء بهدف تحقيق الاستقرار والرضى وتقديم أفضل الخدمات في مجتمع تنموي يشجع على الاستثمار الخاص للأجانب، علينا أن نصل بأن الحوكمة هي تلك الممارسات التي تتم في بيئة تشريعية وقانونية منظمة تضمن تنظيم العلاقة الداخلية والخارجية لضمان التقدم والازدهار وفق رؤى استراتيجية لمحاربة الفساد لكي تصبح فعالة ورشيدة في بيئة تتجسد فيها المسائلة والمساواة والمشاركة والشفافية والقدرة على التأقلم والاستجابة للمتغيرات لنصل بالنتيجة النهائية لمجموعة من العمليات لمجتمع محوكم بكافة مؤسساته وأطره وركائزه.
إذًا هي الفرصة متاحة أمامنا كفلسطينيين قبل أن لا يسبقنا التاريخ بأن يكون قرار مؤسسة الرئاسة الفلسطينية بحوكمة القضاء ما هو إلا خطوة أولى لحوكمة باقي مؤسسات الدولة على كافة القطاعات لنتمكن وقتها من أن نبني وطن حر وعادل ومجتمع يتسع لأحلام وقدرات وإمكانيات الجميع على حد سواء ويقف فيه أصحاب الواجب عند واجباتهم وبالمقابل يقف أصحاب الحقوق عند حقوقهم لنحقق تطوراً مجتمعياً يريده شعبنا بكافة شرائحه وفئاته وإن كانت حوكمة مؤسساتنا ضرورة لذلك، فهل آن الآوان ؟

