لا يوجد شك على أن الذهنية السياسية والفكرية التي راهنت على المشروع الأمريكي - الصهيوني، الذي سمي بعملية السلام، هي الذهنية ذاتها التي لا زالت تتحكم في مقاليد "المؤسسة الفلسطينية"، بذات المنهجية القائمة على التفرد والهيمنة والتسلط والإقصاء والتجبر والمكابرة، وإلى جانب هذه الذهنية، لا يمكن استثناء أو إعفاء الآخرين من التنظيمات والفصائل - وهم محور التناول في هذا المقال - الذين شكلوا "غطاءً" لهذه السياسة، بطريقة تعاملهم مع "المؤسسة" ذاتها والشأن الفلسطيني بالعام، حيث أصبحت القضية الوطنية مسقوفة بمستوى أدائها العاجز والقاصر، بل وأكثر من ذلك، حيث نجد أن ذواتهم التنظيمية تضخمت، للدرجة التي أصبحت أكبر من المشروع الذي تأسست وانطلقت من أجله، وحازت الشرعية باسمه، وصولاً لتغييب الشعب عن مشروعه، بل وإنهاكه وإعيائه، والحط من قدره وكرامته، وهذا بالطبع لن تكون نتيجته إلا لمصلحة التحالف المعادي ومشروعه. وعندما أقول التحالف المعادي، أعني على وجه التحديد: الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، والدول التي تدور في فلكها من دول الغرب الاستعماري، والرجعية العربية (من نُظم الخليج وأنظمة التسوية مع العدو الصهيوني).
المُحزن، أن الجميع يتحدث عن خطورة المرحلة "ويبدع" في وصفها، باعتبارها مرحلة "تصفية القضية الفلسطينية"، لكن لم يصل أحد حتى اللحظة، إلى مستوى مسؤولية توحيد الصف الفلسطيني، وخاصة من بأيديهم "المبادرة والقدرة" إلى حدود ما، بعد أن أصبحت المبادرة والقدرة "بيد الدوائر الأمنية"، المتعددة الأغراض والأهداف، حيث بقوا أسرى "ذهنية" الانقسام والتشرذم والتراشق وتوجيه الاتهامات، أما الآخرين، فبعضهم ليس أكثر من كومبارس يتوزع بين الطرفين المنقسمين أساساً، وآخرين يرزحون في دوائر العجز "وقلة الحيلة".
فمن المعروف، أن المجتمعات البشرية، وحتى "الحيوانات"، عندما يواجهها خطر ما تتوحد وتتكتل وتلتحم، أي تبني قلعتها، لتحافظ على ذاتها وحقوقها ونوعها، لكن هذا الأمر، لا يزال يمثل استعصاءً في الحالة الفلسطينية، ليس هذا فحسب، بل نلاحظ أن المسألة وصلت حد "الاستمتاع" في تكرار التجارب الفاشلة، رغم أن الخطر الذي نواجهه يرقى إلى خطرٍ على الوجود ذاته، وأعني وجودنا كشعب وقضية.
على كل أستطيع القول، أن الانقسام لم يعد فقط بين طرفين أو أكثر، بل داخل الذات الواحدة، التي تضخمت، وأصبحت أكبر من مشروعها، فتحولت التنظيمات والفصائل في أغلبها، إلى مرتعٍ للشلل والتكتلات والاستزلام، وأصحاب المصالح والامتيازات والعطاءات الرخيصة والمبتذلة، بالتوازي مع عمليات الإقصاء للكثير من الكفاءات أو لمن يقول: لا، أو يُكثر من نقد المتنفذين وممارساتهم. وهذا كله لا يمكن وعيه وفهمه، دون إمعان النظر في مستوى "القيادات" التي تتربع على "عرش" هذه التنظيمات والفصائل، وتتحكم في مقاليد السلطة والحكم فيها، حتى بات في داخل كل تنظيم "تقريباً" من يُعرّف، بجماعة "القائد"، فلان والقائد علان. بمعنى أن الذات التي تضخمت - أي التنظيمات والفصائل - على مشروعها الوطني، تشظّت على مساحة كبيرة، من داخلها، بحيث أصبح التشظي ظاهرة مستفحلة، ضرب في جذر الأفكار والمنطلقات والأسس الوطنية والتنظيمية، التي عبرت عنها "ممارسة" أقل ما يقال عنها، أنها مُراهقة وقاصرة، بل وغبية في أحيان عديدة. فما سبق وصفه من واقع حال، هو تعبيرٌ عن اختلالاتٍ فكريةٍ وتنظيميةٍ بالأساس، ستُدفع كُلفتها من حسابات السياسة.
وكما يقال، فليست العبرة في إدراك الحقيقة، بل في كُلفة وزمن الوصول إليها، والكُلفة في الحالة الفلسطينية، تدفع من فاتورة دم يراق يومياً، وعلى مساحة الصراع طولاً وعرضاً، على أرض فلسطين، وخارجها، ومن الأرض التي تنهب وتسرق يومياً، ومن الحقوق التي تتآكل تدريجياً، ومن الرواية التاريخية التي تزور توراتياً، ومن انقسام أدمى وأطاح بمقدساتٍ وحرماتٍ بديهية، ومن ظلم واستبداد وقهر استشرى نهجاً سلطوياً، ومن حقوق الناس التي تلاحقها القرارات والإجراءات العقابية، وقائمة "المن" تطول.. لكن السؤال هنا: هل يتصور أحدٌ كائناً من كان، أننا يمكن أن نخوض صراعاً ناجحاً أو على الأقل ممانعةً قوية بهكذا حال؟!
دون منافقة أو مجاملة للذات، أو الكذب عليها، لا يمكن أن يتم ذلك أو يحصل أو حتى الارتقاء بالأداء الراهن للتنظيمات والفصائل الفلسطينية، طالما بقيت محكومة لذات المنهجية والعقلية التي تتحكم بها، وتدير الشأن الفلسطيني، من منطلق وفهم "الحاكورة الخاصة"، وما ترتب عن ذلك من "ممارسة"، أدت إلى عَزل الشعب عن قضيته، ثم عَزل قواعد وكوادر "التنظيمات" عنها أيضاً، حتى أنها – أي القضية -لم تصبح مناطة بهيئاتها القيادية الأولى.. ما يسمى "الهيئات القيادية الجماعية"، بل "بنخبةٍ" ضيقة من داخلها، أصبحت هي المقررة والآمرة، وما دونها يمنح ما "تنتجه" الشرعية.
للتذكير، نحن لسنا وحدنا في "حلبة السياسة"، فهناك الأعداء الذين يتربصون بنا شعباً وقضية، وهؤلاء غير ما يملكون من عوامل قوة مادية وغير مادية، يمنحهم الواقع الفلسطيني الضعيف والمنهك والمتهالك، قوة إضافية وقدرة أكبر على فرض مشروعهم إلى أقصى مدى.
أخيراً، من لا تكفيه التجربة المرة والقاسية، وتكرار الفشل والهزائم، للوصول إلى الحقيقة، سيصطدم بها رغماً عنه، لكن بعد أن نكون قد دفعنا ثمناً أكبر بكثير مما نتوقعه الآن.. فهل تعقلون؟!

