يقف الفلسطينيون أمام مفترق مهم في تاريخهم، فبينما تتصاعد الهجمة الصهيونية الغربية لتصفية حقوقهم، لا زالت الخطوات الوحدوية الفلسطينية متعثرة، وكذلك تبدو الأدوات الفلسطينية المختلفة عاجزة عن إيقاف التوسع الصهيوني والعدوان المتمادي على الأرض، جنباً إلى جنب، مع اللهاث من البعض العربي للتطبيع والتعاون مع الكيان الصهيوني، بل إن أبرز المنتوج السياسي العربي الرسمي الآن اتجاه فلسطين، هو الضغط على شعبها وقيادتها للقبول بتصفية قضيتهم.
شكل المجلس الوطني الفلسطيني بالنسبة للفلسطينيين في محطات عديدة تدشين لمراحل جديدة من نضالهم الوطني، وفي ظل العجز والقصور السياسي الحالي في أداء المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وعجزها عن إنتاج ما يلزم من أدوات واشتقاق خيارات ملائمة لمواجهة الاحتلال الصهيوني ومشروعه الكولونيالي – الاستيطاني – الاحلالي المتمادي، تشكل إمكانية عقد مجلس وطني توحيدي، أحد النوافذ الأساسية لإطلاق طاقة جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني التحرري، ورفده بزخم وحدوي، وإمكانية حقيقية لتعزيز الوحدة الفلسطينية، ودمج الطاقات النضالية في إطار برنامج سياسي وطني، وتجديد المؤسسات السياسية، ومنحها الشرعية الحقيقية المستمدة من إجماع وطني فلسطيني.
مع ذلك يبدو أن جزء من الفرقاء السياسيين، يظهرون إصرار كبير على تجاهل كل فرصة تتجه نحو الوحدة، والمضي قدماً في هذا العبث المدمر، بما يلحق المزيد من الضعف والتخبط والفوضى بالسياسة الفلسطينية، والإضرار بقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال وعدوانه، ومحاولات تصفية القضية الوطنية الفلسطينية. فالعنصر المحوري بالنظر لأي جهد رسمي ومؤسسي فلسطيني، هو بقيمة إسهامه في مواجهة الاحتلال والعدوان، وفي اجمالي النضال التحرري الفلسطيني، وهنا لا يمكن النظر لأي إجراءات أحادية من هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، باعتبارها إسهام ملائم في هذه المرحلة، بل على العكس يمكن النظر لها كأداة لضرب فرص الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفتح مجالات للاشتباك السياسي الداخلي تهدر فيها الطاقات والموارد الفلسطينية، وتزيد من حدة التشرذم والانقسام القائم.
إن مواجهة هذا التحدي اليوم هو بعهدة القوى الفلسطينية الثورية، التي بإمكانها التحرك بعيداً عن أي مآرب سلطوية، وفي إطار نأيها عن الدخول كطرف مستفيد من الانقسام وصراعات السلطة، وهو ما يُلّزم هذه القوى بالدخول في برنامج حقيقي يقود لتحقيق أهدافها ورؤيتها الوحدوية، عبر تجنيد الطاقات الشعبية، والقدرة السياسية الفاعلة في تشكيل كتلة ضاغطة باتجاه تصويب الوضع الداخلي الفلسطيني، وعليه، فإن تحويل مطلب عقد مجلس وطني وحدوي وتوحيدي، إلى مطلب شعبي، يشكل مدخلاً لحشد طاقات الشعب الفلسطيني ومنحه الأمل في وجود قيادات سياسية قادرة على قيادة نضاله الوطني التحرري، تبدو مهمة راهنة وملحة أمام هذه القوى.
إن المضي في سياسات الانقسام والمناكفة والصراع، يعني فعلياً سحب بساط الأمل من تحت أقدام الشعب الفلسطيني، وإفراغ نضاله اليومي في مواجهة الاحتلال من محتواه السياسي، بل وإلحاق ضرر جديد باستعدادية الجماهير لخوض المواجهة مع الاحتلال. فالانقسام اليوم لم يعد مجرد هجوماً من طرفيه على بعضهما البعض، ولكنه هجوم على مقاومة الشعب الفلسطيني، وعلى قدرته في مواجهة الاحتلال، حيث أصبح الانقسام ظهير حقيقي وممر رئيسي لتمرير صفقات النظم العربية الرجعية مع العدو الصهيوني والقوى الإمبريالية لتصفية القضية الفلسطينية.

