ينذر الوضع الفلسطيني عموماً، وإدارة التناقضات والانقسامات الداخلية، التي أصبحت تدار من خلال الخطابات، التي تنقلها أجهزة التلفزة ووسائل الإعلام، وآخرها خطاب الرئيس الفلسطيني باستمرار الكارثة الوطنية، التي تعبر بحق عن سوء البيئة السياسية الفلسطينية، فهذه البيئة تستوجب طرح الأسئلة، التي يجب أن تحفر في أساس هذه البيئة وبالتالي تطال البنية كلها. فلماذا يبقى باب الحوار المباشر مقفلاً؟! وهل الشعب الفلسطيني، بقادر على تحمل المزيد من التبعات التي تلقيها عليه قيادته؟! وهل المصلحة الوطنية العليا تقتضي أن نبقى أسرى لمزيد من التراشق الإعلامي والتشرذم وزيادة حدة الانقسام وتعزيز مفاعيل الانفصال؟! ولماذا تبقى الساحة الفلسطينية والشأن العام الفلسطيني محكوماً للطرفين المتصارعين/المنقسمين؟! ولماذا تغيب المعايير الداخلية الضرورية لإدارة أوضاعنا الوطنية؟ ولماذا الميل شبه الدائم لتكثيف الأيديولوجيا في خطابات شعبوية؟ ولماذا ندفع بأنفسنا لخطأ التعالي وصولاً لدرجة العجز في التواصل مع الآخرين؟ وهل حقاً نحن نستثمر في هزيمة الجميع؟
قد نظلم أنفسنا لو قلنا أننا وحدنا نمتلك الإجابات الشافية، على تلك الأسئلة، لكن ونحن ننطلق من تأكيد رفضنا لكل أجواء التوتير الداخلي أي كان مصدرها، كما أية إجراءات عقابية جديدة قد تطال أبناء شعبنا في قطاع غزة، وحرصنا الدائم على إنهاء الانقسام وطي صفحته، وبناء ركائز وحدة وطنية فلسطينية حقيقية، نستطيع بموجبها مواجهة المشاريع والمخططات التي تستهدف شعبنا وقضيتنا، بالاستناد إلى استراتيجية وطنية موحدة وشاملة، نؤكد بأننا بحاجة ماسة لفتح نقاش معمق وحوار مسؤول في طريقة وشكل معالجة القيادة الرسمية الفلسطينية، والقوى والفصائل بالإجمال، لهذه المهمات والملفات والقضايا المصيرية (الحوار الداخلي – الوحدة الوطنية – الاستراتيجية الوطنية - مواجهة المخططات والمخاطر)، حيث إزائها تتضح حجم الإشكالية في السلوك القيادي الفلسطيني من أعلى هرم المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وصولاً لكل من يعتبر نفسه مسؤولاً.
إن النظرة المتأملة في سياق التجربة الفلسطينية الممتدة، وطبيعة المشهد السياسي، تدعونا إلى أن نتوقف عن محاكمة المنطوق أي الكلمات المباشرة، دون النظر إلى الخلفية التي تأتي منها، فلقد تكرس التفرد في المؤسسات الفلسطينية، وتعمّقت الهيمنة والسيطرة عليها، وتسخيرها في خدمة البرامج التنظيمية الفئوية، وعليه، تكرس مبدأ عدم المحاسبة وتنزيه الأشخاص وإسقاط القيم السياسية، فتقدم الخاص على العام، وأصبحت هذه قيمة معممة بحد ذاتها، من هنا جاءت النظرة الفوقية للتعامل مع الشعب، باعتباره رعية أو قطيع، في خدمة القيادة المنزهة، فالمنطق الذي يحكم الراعي في هكذا حال اتجاه رعيته – قطيعه، المنطق الشخصي - الأبوي لا المؤسساتي بالمطلق، فهل هذا هو موقع أو مكان الشعب الفلسطيني؟! وهل هذا ما يستحقه؟! وهل عليه أن يبقى يكتوي بنار الاحتلال والانقسام وتوعده بالعقاب مجدداً؟!.
إن الشعب الفلسطيني المقاتل لأجل وطنه والصامد في أرضه، وواجه العدوان الصهيوني المرة تلو الأخرى، وراهن على إرادته ومشروعية قضيته، يستحق الوفاء له والانحناء لصموده، لا تهديده أو الوعيد المستمر له أو خذلانه وطنياً واقتصادياً واجتماعياً، وهذا واجب أي قيادة تحترم نفسها وشعبها.
لم يعد من الممكن الصبر على طبيعة وبنية البيئة السياسية الفلسطينية، ولم يعد من الممكن قبول استمرار التفرد وتغييب المؤسسات الوطنية، لحساب هذا الفرد أو ذاك أي كان مقامه وقيمته، فلا أحد بيننا أكرم من الشهداء الذين تسيل دماؤهم كل يوم فداء ل فلسطين وحرية شعبها، والمواقع القيادية هي وظيفة عامة لحساب الشعب الفلسطيني، وإذا لم تكن لدى شاغلها قناعة تامة بخدمة هذا الشعب بكل إخلاص وتفاني فبإمكان أصحابها الرحيل بكل بساطة.
المجد للفدائي عبد الرحمن بني فضل، بطل عملية القدس الفدائية، فهذه العمليات هي فعلياً مما تبقى من تعبيرات حقيقية عن روح شعبنا وهويته وأصالته، لا اتهامات المنقسمين المتراشقة، ولا قيادات سياسية باتت تظن أن علاقتها بهذا الشعب هي علاقة الاخضاع والغلبة.

