اتخذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قرارها الوطني، كما حال العديد من القوى والشخصيات الوطنية، بعدم المشاركة في دورة المجلس الوطني المزمع عقدها تحت حراب الاحتلال في مدينة رام الله المحتلة.
وإذا كانت مقاطعة حركتي حماس والجهاد الإسلامي قسرية بفعل عدم توجيه الدعوة لكلا الفصيلين، فإن مقاطعة الجبهة لهذه الدورة هي قرار وطني اتخذته مؤسسات الجبهة، ومن الطبيعي أن يكون هذا القرار محل للآراء والمواقف الوطنية المختلفة، ولكن الأساس في هذا النقاش ألا يتم على قاعدة التجييش والتجييش المضاد، بل على قاعدة مناقشة مسببات هذا القرار ونتائجه على الساحة الوطنية.
الأهم على الإطلاق في أي جدل أو حوار من هذا النوع عدم فصل القرار عما سبقه، وهو قرار الرئيس أبو مازن وحركة فتح بعقد المجلس الوطني، دون الاحتكام لمتطلبات الإجماع الوطني في مثل هذه القرارات، أو لما اتفق عليه سابقًا من خلال اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني، والتي كانت واضحة جدًا وشكلت اتفاق وطني رشيد على عقد المجلس الوطني بمشاركة الكل الفلسطيني ودون إقصاء وبما يعزز الشراكة الوطنية، أي حرفيًا ما طالبت به الجبهة طيلة العامين الماضيين، وهو عقد دورة توحيدية للمجلس الوطني، تعزز الوحدة والشراكة الوطنية، وتتصدى لتحديات المرحلة، وخطط التصفية للقضية الفلسطينية، وتكون بوابة لعقد انتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني، هذا الموقف يمكن القول أنه تحول لبرنامج إجماع وطني توافق عليه الجميع بما في ذلك حركة فتح ورئاسة المنظمة والمجلس الوطني.
العامل الآخر الذي يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة هو مناقشة مكان انعقاد المجلس، فلا يمكن أن نفترض أن تداول ونقاش القرارات الوطنية من ممثلي الشعب الفلسطيني وقواه يجب أن يتم في منطقة محتلة يسيطر عليها العدو، وأن كل من هذه الشخصيات ستكون ملزمة بالحصول على تنسيق وموافقة من العدو الصهيوني للدخول للضفة المحتلة، بشكل أو بآخر يمكن القول أن قرار عقد المجلس في رام الله هو احتجاز، وأن قرار استبعاد حركتي الجهاد الاسلامي وحماس من الدعوات لحضور المجلس هو إقصاء، وأن اتخاذ القرار على نحو منفرد ودون تحقيق الإجماع من فصائل المنظمة عليه هو تفرد.
الأصوات المخلصة من داخل حركة فتح والتي تناوبت خلال الأسابيع الماضية في تقديم مواقف مشرفة، تطالب بالسعي نحو الوحدة، ونبذ الإجراءات المنفردة، والسعي لعقد هذه الدورة بشكل موحد، تشكل أحد النقاط المضيئة في الخارطة الوطنية، وتؤكد على صحة الموقف الذي اتخذه المطالبون بالوحدة، واتخاذ سبلها وأسبابها في تفاصيل عمل المؤسسات الفلسطينية كافة.
إن المواجهة مع العدو الصهيوني في هذه المرحلة بالذات تتطلب أولًا الشراكة من الكل الفلسطيني في هذه المواجهة، والجماعية في اتخاذ القرار، والتأكيد على دور المؤسسات الوطنية وشرعيتها، والعمل على توسيع تمثيلها، بما يعكس الإرادة الوطنية الحقيقية لجماهير الشعب الفلسطيني ومكوناتها المختلفة، وهو أمر لا ينسجم معه إطلاقًا هذا الإجراء - أي عقد دورة غير وحدوية- بل ويمكن القول إنه يشكل أداة لتعزيز الانقسام وزيادة الشروخ وتعميقها.
الأسوأ على الاطلاق هو المضي قدمًا في هذا النوع من التفرد، وانعكاسه على شكل التشكيك في دوافع المقاطعين بدلًا من الانتباه لخلفيات موقفهم الوطني، والالتفات لخطورة الخطوات التي تعزز الشرذمة وتضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، خصوصًا أن هذا القرار جاء غير بعيد عن إجراءات عقابية تفرض على قطاع غزة، وسياسات من المناكفة.
المطلوبُ اليوم كثيرٌ، لتجاوز تداعيات هذه الدورة الانقسامية، بدايةً من عقد الإطار القيادي أو لجنة تفعيل منظمة التحرير، وتأجيل انعقاد المجلس حاليًا، أو اعتبار جلسته استشارية غير ملزمة، وعدم استخدامها كمنصة لتصدير وجوه جديدة في مواقع قيادية على نحو ينتقص من شرعية هذه المواقع ويهدد المؤسسات الفلسطينية ودورها التاريخي وفي المقدمة منها منظمة التحرير الفلسطينية.

