سار حنظلة الكنعاني يحمله الشوق إلى وطن مرسوم في القلب وفي العينين يضئ كبوصلة... وعند شاطئ عكا... بجانب صخرة تغتسل بماء البحر... هناك أراح في الليل وفي الملح البحري حكايته... تأتي الأمواج وتذهب... وعلى هدهدة الموج وأغاني البحر الأزلية... وفيما القمر يلاحق شفقا ناريّا... نام الولد... احتضن البارودة ونام... يحرسه النورس والموج... ومع الفجر... وفي لحظة لم يغادر فيها عصفور عشه بعد، اقترب البحر من الشاطئ... داعب أطراف الصخرة كضفائر امرأة جليلية......
سار البحّار على الشاطئ شاهد أعشابا بحرية أصدافا ملونة... كان الفجر ضبابيا... سار البحّار العارف بتفاصيل الأمواج وصخور الشاطئ... قال على هذا الشاطئ اذكر صخرة عليها نقوش كنعانية... أذكرها... كنا نتسلقها... نطلق صيحات الفرح ونقفز في اليمِّ... الصخرة على ما أذكر عاتية... فهل ستذكرني... سار البحار... فلاحت في ضوء الشفق صخرة لم تغادر شاطئها يوما... اقترب البحّار... هي ذات الصخرة قال... ذات النقوش... سنابل قمح... محراث... هلال وصليب... عناقيد عنب وأوراق زيتون... وفي حضن الصخرة ولد يحضن بارودته وينام كما الجنين في رحم الأم.... وجه الولد وجه بحريٌّ... كان رقيقا وأليفا وعنيدا... تغطيه الأعشاب والأصداف وضوء القمر.
تأمل البحّار وجه الولد طويلا... وبعشق الوالد مسح على الوجه... فتح الولد عينيه... وبقوة البحر شدّ على بارودته...
قال البحّار لا تخف... من أنت؟
نظر الولد بشك... مد يده كرمح: أنا من هناك من جنوب الجنوب... وايضا من هناك من شمال الشمال ومن الشرق أيضا.
نظر البحّار لمعت عيناه: أمن غزة أنت؟ من أمك؟
- لا أعرف.. قالوا أنهم وجدوني في ظلال زيتونة.. البعض قال شجرة برتقال، وبعضهم قال شجرة لوز.. وأخرون قالوا رمان... والبعض قال شجرة خروب .. صنوبر .. صبّار .. مشمش أو نخيل... لا أدري... ما أعرفه أني ولدت هنا.. كل هذا المدى ما بين شمال وجنوب وأبعد.. ما بين بحر ونهر وأبعد.. هو لي.
- وماذا تريد في هذا الليل الماكر؟
- أبحث عن دالية... قالت لي أمي أن أخي من لبنان سيزرعها ذات شروق في عكا... وستبرعم يوما وتغطي جبل الكرمل... سأتسلق الدالية حتى الذروة ومن هناك أرى صفد... سأعود إلى الجليل إلى بئر تحرسه شجرة صبّار... مساء يغتسل فيها القمر سآخذ شربة ماءلامرأة تنتظر الوعد على شاطئ غزة... تنتظر شربة ماء من بئر كان لها ذات طفولة... بئر يراقص قمرا وينام منتظرا على سفوح الجليل...
- والمخيم كيف تركته؟
- لا زال الناس يركضون بين الخيمة والأخرى... لقد افترق الإخوة واشتبكواعلى جلد الدب الذي لم يولد بعد!
- على ما أذكر كان هناك فرق بين الخيمة والأخرى؟
- كان ذلك في عام الفجر الأول... أذكر حين حمل الرجال البنادق فأصبح للخيمة معنى آخر...هذا ما كان... إلا أن الخارطة انحسرت كالجَزْر البحري تماما... ورأيت الرجال يسلمون بنادقهم... والخيمة عادت للدمع ولخبز الذاكرة المرٍّ.
- وماذا بعد؟
- هي سيرتنا... لا نستسلم أبدا... نولد فنبحث عن أقرب بحر يحملنا إلى عكا... ونعرف أن الدمع وحده لا يكفي... وأن الخيمة إن لم تنهض كالعنقاء تقاتل ستبقى خيمة...
أفاق الولد من غفوته... حمل البارودة... نظر نحو الآفاق الأربعة... كان البحر وكان الليل وصوت الموج يضرب في ضوء القمر صخور الشاطئ... قال: كان هنا بحّار... نظر إلى البحر...احتضن البارودة بعزيمة بعلٍ كنعانيٍّ ... وراح بصمت ينظر في أبعاد البحر الشاسعة... كانت في الأفق نقطة تشبه شراعا أو يدا تحمل قلما يشبه مجذافا... يشبه سيفا... يشبه محراثا... يشبه مفتاحا... يشبه بندقية... يشبه خارطة تشبه وطنا.

