رنة مميزة على تليفونى المحمول تعلن وصول رسالة تحمل أخبارا جديدة :"ولايات أمريكية تطالب بالإستقلال عن الولايات المتحدة الأمريكية ..هل هى بداية الإنهيار؟!"قفزت تلك الرسالة القصيرة على شاشة تليفونى المحمول لتثير الكثير من الجدل حول مدى إمكانية إنهيار الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة العظمى والأغنى والأكثر ثراءً فى العالم حاليا!
وعلى الرغم من غرابة الطرح فإن الباحثين فى مسألة إنهيار الولايات المتحدة وتفككها يشيرون إلى أن التفكير فى ذلك الأمر بدأ منذ القرن التاسع عشر وتحديدا من ولاية كارولينا الجنوبية التى بزغت فيها لفترة من الزمن توجهات "الإلغاء" التى نادت بعدم الإعتراف بالحكومة فى واشنطن وبما يصدره الكونجرس من قرارات ملزِمة إذا لم تتفق مع مصالح الولاية. وعلى الرغم من تراجع ذلك التوجه عقب الحرب الأهلية الأمريكية 1861ـ 1865 فإن فكرة الإنفصال عن الولايات المتحدة مازالت موجودة على الرغم من التعتيم الإعلامى المحلى والدولى.
فقبل أيام قليلة من إجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فى سويسرا، ووسط تكتم واضح فى وسائل الإعلام الغربية، ناشد السكان الأصليون لولايتى ألاسكا وجزر هاواى الأمريكيتين الأمم المتحدة النظر فى مسألة ضم أراضيهم بطريقة "غير مشروعة" إلى الولايات المتحدة، وطلبوا المساعدة فى منحهم "حق تقرير مصيرهم".
وجاء تحرك أبناء ولايتى ألاسكا وهاواى ممثلا فى إصدار بيان، يوم 7 مايو 2015 فى جنيف. ودفع البيان بأن الولايات المتحدة استولت على ألاسكا وجزر هاواى عن "طريق الخداع" وانتهكت مبادئ الأمم المتحدة. ودعا ممثلو الولايتين إلى إصلاح تلك الأخطاء، وإجراء "إستفتاء لتقرير المصير".
وخلال السنوات الأخيرة تمت إثارة الأمر أكثر من مرة. فعلى سبيل المثال شهد العام الماضى طلبا بإعادة ألاسكا إلى روسيا وتم نشر المطلب على موقع البيت الأبيض الإلكترونى. وحصل على عشرات الآلاف من الأصوات، وهناك من طالب بتحويل ألاسكا إلى دولة مستقلة بين أمريكا وروسيا.
ولا يتوقف أمر النزعات الإنفصالية داخل الولايات المتحدة الأمريكية عند ألاسكا أو هاواى. فقد شهد عام 2012 أمر عظيم الدلالة. فوسط تعتيم إعلامى واضح وإنشغال عالمى بعمليات التفتيت التي تتم للدول العربية فى الشرق الأوسط تحت شعار "الربيع العربى" تارة وتحت بند "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" تارة أخرى تقدم مواطنون أمريكيون من 20 ولاية بإلتماسات رسمية تطالب بإنفصال ولاياتهم عن الولايات المتحدة فور إعادة إنتخاب الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما لفترة ولاية ثانية!
ووفقا للقواعد الأمريكية فإن الإلتماسات تم السماح بها لمدة شهر كامل تبدأ من لحظة تقديم الإلتماس إلى البيت الأبيض. ويشترط أن يتم جمع توقيعات 25 ألف شخص على الأقل خلال مهلة الشهر المسموح بها حتى ينتقل الإلتماس إلى مرحلة تعامل الإدارة الأمريكية معه بشكل رسمى. وإذا كان عدد التوقيعات أقل من 25 ألف توقيع ولو بتوقيع واحد يتم تجنيب الإلتماس ولا تنظر الإدارة فى شأنه.
وفى ظل تعتيم إعلامى واضح جمعت ولاية لويزيانا 12 ألف صوت فى فترة الشهر كما جمعت تكساس 15 ألف صوت أى أنها تعدت نسبة 60% من النسبة المطلوبة لبدء التعامل بشكل رسمى مع مطلب الولاية فى الإنفصال!
ومن الغريب والطريف فى آن واحد ذلك اللغز الذى يتمثل فى أن مصالح "غالبية" دول العالم تتجه إلى الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة الأمريكية وسلامة إقتصادها على الرغم من كل حالات الشد والجذب الذى يصل إلى حد كيل اللعنات!
وليس من مثل أصدق على ذلك سوى حالة الصين التى تتبادل مع أمريكا المجاهرة بالعداء فى حين نجد أن جانبا كبيرا من إستثمارات الصين موجود بأمريكا وبالتالى فإن الصين تخشى من تعرض أمريكا لأى مكروه كبير يضر بإقتصادها.
وكذلك الحال فيما يتعلق بالكثير من الدول العربية التى تحتفظ بالجانب الأعظم من إستثماراتها فى أمريكا وتعتمد فى أمنها وسلامتها على القوات الأمريكية! أما الأغرب فهو وجود حسابات تخص جماعات إرهابية داخل البنوك الأمريكية!
واليوم بات خطر تفكك الولايات المتحدة "أكثر واقعية" فى ظل عدد من المتغيرات الإقتصادية والسياسية التى يجب التنبه لها. أما المؤكد فهو أن أفكار برنارد لويس وبوش حول تقسيم وتفتيت الشرق الأوسط قد زحفت ببطء لتصيب العديد من أقاليم العالم بذات الداء وأن واشنطن ذاتها لم تصبح بمنأى عن التعرض لذات التهديد خلال السنوات القادمة.
دارت تلك الأفكار فى ذهنى، فنحيت تليفونى المحمول جانبًا ونظرت إلى الأفق فى صمت.
نقلاً عن: الأهرام اليومي
نقلاً عن: الأهرام اليومي

