أعلم جيداً أن هذا الكلام لن يروق للكثيرين، لكنّني لم أعتد أن أقول ما يُعجب الناس.
منذ وقتٍ بتُّ أشعر بأن الكثيرين في العالم راقت لهم فكرة أسطرة المواطن الغزي، وأعجبتهم فكرة مشاهدته وهو يُقاوم ويسقط شهيداً أو مصاباً، وهو يقتحم ويخطف الجنود، وهو يطلق رصاصه، دون أن يستدركوا أن هذا المقاوم يتعب أحياناً ، يحن ، يأن ، يبكي ، يخاف ، يحلم.. فتناول كأسٍ من الشاي مع قليلٍ من المكسرات ومشاهدة مسلسل بطل من غزة لا شكّ أنها سهرة ممتعة بالنسبة لهم، تدريجياً انتقلت هذه المتعة للكثير من الفلسطينيين الذين أعجبوا أيضاً بتلك الفكرة ، وأصبحوا ينتظرون أن يقوم "بطلُ غزة" نيابةً عنهم بواجبهم الوطني، فأصبح هذا الغزيّ مشوقاً في بطولته، وفي موته، وفي نزفه اليومي.
منذ أن بدأت مسيرة العودة اعتقدتُّ أن أول قطر ة دمٍ سوف تستثير الوطن بداخل الكل الفلسطيني، وستصبح هذه المسيرة نموذجاً لفعلٍ ثوريّ ومجابهة حقيقية ، لكن وبكل وجع يبدو أن مسلسل غزة أصاب الكل بإدمان المشاهدة وكأن لسان حالهم يقول "برافو غزة برافو" مع رشفة شايٍ لذيذة.
بكلّ جرحٍ، أقول.. غزة تُرِكَت تصارع الزمان والمكان وحدها، وحيدةً بكلّ ما في الكلمة من وحشةٍ؛ الناس هنا من وحشتهم أصبحوا ينظرون إلى الغد على أنه آخر أيام النضال، يحملُ إما نصراً مؤزّراً أو خيبةً .
يا غزة، لا هزيمة غداً ولا خيبة، فالثوار لا يهزمون، الثورة فعل تراكمي مستمر كمي ونوعي، غداً يوم نضالي جديد ومحطة نضالية جديدة في طريقنا لاختمار حلمنا..
النصر لشعبنا ولمقاومته.

