في فلسطين المحتلة ألف حصار وحصار، هذا ما أثبته مجددًا مشهد القمع في ليلة العار في رام الله، فما جرى عمليًا ليس قمع لمتظاهرين من نظام حكمٍ بوليسي، ولكن نقطة إشهارٍ لأزمة تصر السلطة على صناعتها وضخها في هويتنا الوطنية كشعب فلسطيني.
اعتاد شعبنا أن يحتفي بكل مظاهر التلاحم الوطني، ويعبر عن ذلك باعتزاز في أدبياته، خصوصًا حينما يخترق هذا التلاحم في بعض مظاهره خطوط صهيونية حمراء بخصوص علاقة الفلسطيني بالفلسطيني، وهذا ما يمثله إصرار أبناء حيفا ويافا وام الفحم من المناضلين الفلسطينيين على التظاهر في رام الله إسنادًا لغزة، هؤلاء ببساطة يقدمون لنا جميعًا تعبيرًا خالصًا عن قناعة شعبنا بوحدته وهويته الوطنية، هؤلاء حرفيا تم سحلهم في الشوارع واتهامهم بالخيانة والعمالة والتنكيل بهم شباب وفتيات، في واحدة من أبشع الليالي في تاريخ فلسطين.
ببساطة السلطة مجددًا وهذه المرة عبر أجهزتها الأمنية قررت أن تقول لنا انها لا تعترف بمظاهرنا وحقائقنا الوحدوية، وأنها تؤمن فقط بسلطة المتغلب، سلطتها كمتغلبة على جماهير شعبنا بالعنف والسلاح والهروات، وسلطة الاحتلال كطرف متغلب عليها وتخضع لمعاييره وطلباته عبر التنسيق الأمني بقنواته المختلفة وملفه الشائن والمعيب.
باستخدام السلطة لقمعها الأمني كأداة وجدار أخير، فانها تعلن سقوط جديد في شرعية المؤسسة السياسية الفلسطينية التي تثبت فشلها في كل يوم، فبعد خطيئة عقد دورة المجلس الوطني دون توافق وطني، وما يمثله ذلك من خطر على منظمة التحرير الفلسطينية بكل ارثها النضالي، تواصل السلطة وقيادتها السياسية وأجهزتها اصرارها على منطق قوة المتغلب، الذي أسس اصلًا لفرض العقوبات على جماهيرنا في قطاع غزة، ولقمع المتظاهرين، وكذلك للتفرد فيما يتعلق بمؤسسات منظمة التحرير. وهذا أمر له مغباته خصوصًا في ضوء العرض الأخير في ليلة العار برام الله.
ما قدمته السلطة واجهزتها الأمنية وكان أسوء من القمع هو التحريض على شرائح من شعبنا واستعداء بعضه على بعض في مشهد لم نره إلّا لدى النظم الديكتاتورية التي إزاحتها ثورات الشعوب، وفي مشهد يهدد ليس وحدة النظام السياسي فحسب او مفهوم الوحدة الوطنية، بل بنية مجتمعنا وقدرته على التكاتف والصمود والبقاء، هذا هجوم على هويتنا ومجتمعنا وكل ما يمثله وجودنا، فهل ارتضت القيادة السياسية لنفسها هذا الموقع، وما هي الحجة ؟ منع الانقسام!
الحقيقة التي يدركها أبناء شعبنا اليوم أن سلاح عرًابي "صفقة القرن" وأداتها الأمضى ضد أبناء شعبنا هو الاصرار على تمزيق وحدة شعبنا، فبينما يمثل أمامنا خطر عزل غزة والتفرد بها لدفعها للاستسلام لمخطط يريدها أن تكون ارضية لمشروع صفقة القرن، تصر السلطة على ذات النهج في عزل غزة ودفعها نحو هاوية لا يريدها أحد، فلا يعقل أن يطرد نظام سياسي او فصيل أو حكومة أو أيٍ كان منطقة بأكملها خارج حدود الهوية الوطنية فيما تعلن هذه المنطقة تمسكها بالهوية الوطنية وبوحدة المؤسسات وبوحدة القضية.
ببساطة غزة وأهلها اختاروا فلسطين، وكذلك فعل أهلنا وشبابنا في الضفة و القدس وحيفا ويافا حينما تظاهروا إسنادًا لغزة، اختاروا جميعًا خيار العودة لفلسطين، وليس العودة المكانية فحسب، بل العودة لفلسطين القضية التي توحدنا جميعا، إزاء هذا اختارت السلطة وقيادتها إرسال الهروات وعصي الكهرباء وقنابل الصوت للميدان الرئيسي في رام الله كي تقمع فلسطين بكل مكوناتها، فهل هناك من يظن أن بامكانه البقاء مستندا لهراوة؟ أو بامكانه تركيع هذا الشعب الذي فشل الاحتلال في تركيعه.
شعبنا إجابته واضحة فبدلًا من مسيرة واضحة وهادئة في رام الله، هناك العشرات من الفعاليات التي يعلن عنها النشطاء الوطنيين الفلسطينين حول العالم وفي مدن فلسطين، ونتمنى ألا تكون الاجابة عليها مرة جديدة بتلك السلوكيات الانعزالية من تلك المجموعة المتفردة بالقرار السياسي الفلسطيني، فذلك أيضًا لن يمرره شعبنا دون عقاب.

