Menu

أضواء خضراء للمصالحة والتهدئة

د. محمد السعيد إدريس

لسنوات طويلة ظل الكيان «الإسرائيلي» والولايات المتحدة يعارضان بشدة أي مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» باعتبار أن «حماس» منظمة إرهابية، وبسبب هذه المعارضة تعثرت كل محاولات المصالحة الوطنية الفلسطينية. كانت السلطة تعطي اعتباراً للموقفين «الإسرائيلي» والأمريكي بحكم المصالح التي فرضت نفسها على مدار تلك السنوات من عمر السلطة التي أخذت شكل تنسيق أمني رفيع المستوى في الضفة الغربية بين السلطة وبين الاحتلال، كما أخذت شكل تدفق المعونات الأمريكية للسلطة التي باتت تشكل جزءاً أساسياً من رواتب الموظفين.

ما هي الأسباب التي جعلت تل أبيب وواشنطن تقبلان تحقيق مصالحة تبذل مصر جهوداً مضنية لإنجاحها، خصوصاً أن عملية المصالحة هذه التي تتم عبر اجتماعات مكثفة بين وفود من السلطة و«حماس» بمشاركة مصرية، وعبر تبادل رسائل بين الطرفين، واجتماعات على أعلى مستوى لقادة «حماس» في الداخل والخارج تضم شخصيات بارزة مطلوبة «إسرائيلياً» مثل صلاح العاروري نائب رئيس «حماس» في الخارج وغيره. فقد دخل صلاح العاروري إلى القطاع يوم الجمعة (3/8/2018) ضمن وفد ضم موسى أبو مرزوق وعزت الشرق وحسام بدران لعقد لقاءات ماراثونية مع زعماء «حماس» في القطاع، للنظر في أمر المصالحة المطروحة مصرياً، وللنظر أيضاً في أمر اتخاذ قرار بترتيب العلاقات مع الاحتلال قد يأخذ شكل تهدئة، أو هدنة مؤقتة، ربما تتطور إلى هدنة متوسطة المدى تمتد لسنوات منظورة، عبر وساطة مصرية أيضاً ووساطة دولية يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف، وهذا أيضاً تطور آخر جديد، وهو ما يزيد من أهمية السؤال عن هذا الضوء الأخر «الإسرائيلي» لإتمام مصالحة بين السلطة و«حماس» قد تتطور إلى مصالحة وطنية. هل الموضوع له علاقة ب «صفقة القرن» أي بمشروع السلام الذي يديره جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجيسون جرينبلات مبعوث ترامب للشرق الأوسط؟

المعروف الآن أن هذا المشروع «متعثر» بسبب رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) له، وهو المشروع الذي يتعمد تماماً استبعاد كل القرارات الدولية الصادرة من الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي- «الإسرائيلي»، وكل ما هو ثابت ومؤكد دولياً من حقوق مشروعة للشعب الفلسطيني لا يمكن التنازل عنها، ويفرض حقائق أخرى بديلة من مفردات ومفاهيم الرواية «الإسرائيلية» للصراع ومنها أرض الميعاد، والحقوق اليهودية في فلسطين، وحرب الاستقلال عام 1948، وكأن فلسطين كانت محتلة من الشعب الفلسطيني، إضافة بالطبع إلى توازن القوى شديد الاختلال لصالح الاحتلال، والدعم الأمريكي المطلق له.

رفض أبو مازن هذه التسوية لأنها تشترط القبول الفلسطيني بأن تكون القدس الموحدة والكاملة عاصمة أبدية ل«إسرائيل»، كما تتضمن توسيع حدود «إسرائيل» والتجاهل الكامل للقرار الدولي بانسحابها من الأراضي العربية التي احتلت عام 1967، من خلال ضم الكتل الاستيطانية في الضفة إلى «إسرائيل». وجاء إصدار الكنيست ل «قانون القومية» الذي يفرض «إسرائيل» (دولة يهودية) لشعبها اليهودي ليفاقم أسباب الرفض للتسوية الأمريكية.

إذا كانت هذه التسوية المعروفة باسم «صفقة القرن» متعثرة، فإنها لم تجمد نهائياً، المعلومات تؤكد أنها مرجأة فقط إلى حين انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وإجراء الانتخابات التشريعية «الإسرائيلية» المقبلة، فما هي العلاقة بين الضوء الأخضر «الإسرائيلي» لإتمام مصالحة بين السلطة و«حماس» والسير في اتجاه عقد تهدئة مع «حماس» ربما تكون مؤقتة أو متوسطة المدى؟

متابعة تفاصيل خطط المصالحة والحوارات الدائرة حولها، وكذلك تفاصيل التهدئة بين سلطات الاحتلال وحركة «حماس» تكشف عن ثلاثة أمور، أولهم أن الإدارة الأمريكية باتت مهتمة الآن بخيار تسوية غزة، أو بالأحرى «دولة غزة» لتكون محور مشروع الكيان الفلسطيني المزمع قيامه ضمن مسعى التهيئة لضم معظم الضفة إلى «إسرائيل»، لذلك هي مع التهدئة بين «إسرائيل» و«حماس» ومع إعادة إعمار غزة وخلق منافذ لتحسين الأوضاع المعيشية بتمويل عربي وبالتنسيق مع مصر، في محاولة للتهدئة إلى حين يتم إعادة إحياء «صفقة القرن». ثانيهم أن «إسرائيل» حريصة على التهدئة مع غزة ومع المصالحة وانتقال السلطة والرئيس الفلسطيني إليها لتحقيق هدفين: أن تتاح لها فرص التمدد والتوسع والضم والتهويد كما تريد في الضفة، وأن يتحول حال غزة في وجود السلطة إلى ما يشبه حال الضفة الآن، أي تهدئة وتجميد مرتكزات أي عمل مقاوم، أما الأمر الثالث فهو أن حركة «حماس» مع التهدئة ومع المصالحة بسبب سوء الأوضاع المعيشية، وعلى أمل أن تكون لديها فرصة مستقبلية لإعادة ترتيب الخيارات الوطنية وفرض خيارات جديدة تدعم المقاومة واسترداد الحقوق. لكن هناك أمر رابع يخص مصر الداعمة للمصالحة وللتهدئة معاً، من منظور أمني مصري بحت، ومنظور المصالح مع الوضع الجديد المأمول في قطاع غزة وفق المقترحات المعروضة لتخفيف الحصار، الأمر الذي يجعل هذه الإجراءات والتحركات سواء ما يخص المصالحة أو ما يخص التهدئة تتم في أجواء مفعمة بالأضواء الخضراء.