Menu

الساسة الغربيون و«إسرائيل»

د.محمد الصياد

في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، فإن الخوض في موضوع العلاقة الغريبة التي تحكم الساسة الغربيين ب«إسرائيل»، يكاد يقترب من المحرمات المُعلّمة بخطوط حمراء، لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها، لا الأحزاب ولا وسائل الميديا ولا حتى الأفراد بصفتهم الأكاديمية أو النقابية أو الأدبية. كثيرون من هؤلاء، لا يخجلون من ربط أنفسهم وسمعتهم بدولة هي نفسها أعلنت على الملأ أن «منصب» «دولة الأبارتهايد» في العلاقات الدولية، الذي شغلته يوماً ما دولة جنوب إفريقيا العنصرية، قد شغلته هي الآن بعد أن ظل شاغراً لمدة 43 عاماً إثر انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا (1948-1991. فتجدهم يفزعون من فورهم، ك«الأسود» دفاعاً عنها وعن كل جرائمها وموبقاتها. وكثير منهم أيضاً يختارون «فضيلة» الصمت حين يتعلق الأمر ب«إسرائيل» حتى عندما ترتكب أفعالاً مشينة لا تستطيع كل الدنيا حجب حقائقها عن الناس. وهناك قلة آخذة في التكاثر يوماً بعد يوم، لا تهاب سطوة «إسرائيل» ولؤم وجبروت أشباحها، فتنطلق في كل مكان تهاجم قياداتها وسياساتها وساستها وتفضح ألاعيبها وتكشف عن دسائسها ودسائس أشباحها الذين يتحركون ليل نهار في بقاع مختلفة من العالم.

في بريطانيا اليوم شخصية لا تخفي موقفها المناوئ لسياسات «إسرائيل» والمؤيد للشعب الفلسطيني، هي اليوم أقرب من أي وقت مضى للوصول إلى سدة رئاسة الحكومة. والقصد ينصرف هنا إلى جيرمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض. تأييده لحقوق الشعب الفلسطيني، وتنديده بسياسات «إسرائيل»، هو السبب الحقيقي للحملة التي تشنها اليوم «إسرائيل» ورجالها في بريطانيا ضد كوربين وبعض قيادات حزب العمال البريطاني، وليس معاداة السامية كما يزعمون. نفوذ «إسرائيل» ورجالها في بريطانيا قوي للغاية ويمكن تلمسه بسهولة في كل منحى من مناحي حياة بلاد الإنجليز. وهو نفوذ منسوب لسطوة المال اليهودي الذي وضعته اليوم ثورة المعلوماتية تحت الأضواء، ومعه استراتيجية التخفي التي يتبعها، في مهب الريح.

في الولايات المتحدة، كان لافتاً أيضاً الخطاب الذي ألقاه مرشح الرئاسة الأمريكية السناتور بيرني ساندرز الاثنين 16 أبريل/نيسان الماضي في المؤتمر الوطني الذي نظمته منظمة «جيه ستريت» (J Street)، وهي منظمة يهودية موازية أسسها في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 بعض اليهود الأمريكيين، من بينهم جورج سورس، لفتح مسار آخر في العلاقات الأمريكية -«الإسرائيلية» مغاير بعض الشيء عن المسار العنصري المتطرف الذي تتبعه المنظمة اليهودية الأمريكية الأم: لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) التي أضحت اليوم، وبعد مرور زهاء 67 سنة على إنشائها (1951)، مرجعية كل الساسة الأمريكيين والسياسة الخارجية الأمريكية.

«إن معارضة السياسات الرجعية لبنيامين نتنياهو، لا تجعلنا معادين ل«إسرائيل»»، قال ساندرز وسط تصفيق حاد من الحضور. قبل الخطاب، كان قبول ساندرز الدعوة للعام الثاني على التوالي من منظمة تعتبرها «إسرائيل» و«إيباك» منظمة يهودية خائنة، لهو حدث غير طبيعي في أوساط الطبقة السياسية للحزبين الحاكمين، الجمهوري والديمقراطي. ولا تقل أهمية، دعوته في مؤتمر هذا العام لمقاربة أمريكية أكثر توازناً في الموقف من «إسرائيل» والشعب الفلسطيني، والحاجة للاعتراف بحقوقه المشروعة. وهو موقف يتمايز كثيراً عن الموقف المتشدد الذي يهيمن على الحزبين الأمريكيين الحاكمين. كما دان الهجمات «الإسرائيلية» الأخيرة على المتظاهرين السلميين في غزة، ودعا إلى إنهاء الأزمة الإنسانية في غزة. وكان ساندرز قد لبى دعوة المنظمة في العام الماضي أيضاً، وألقى خطاباً أشاد فيه بإدارة أوباما لرفضها استخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي دان المستوطنات «الإسرائيلية».

ربما يكون ساندرز قد انحرف قليلاً عن خط المؤسسة الأمريكية الحاكمة، لكنه لا يزال بعيدًا عن كونه الشخصية التي يبحث عنها العديد من الفلسطينيين في دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة. فهو يعارض حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وهي الحركة العالمية الآخذة في الاتساع، والرامية لجلب «إسرائيل» إلى العدالة الدولية وتحميلها مسؤولية انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي. كما صوت ساندرز باستمرار لصالح المساعدات العسكرية الأمريكية لـ«إسرائيل». ولكن ساندرز، بالمقابل يظل المرشح الأقوى عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2020. وهو رفض دعوة للتحدث أمام المؤتمر السنوي ل«إيباك». ويبدو أنه، على عكس زملائه في الكونجرس، مطمئن إلى وضعه الوظيفي بعد نيله عضوية اللجنة الدائمة في مجلس الشيوخ كقيادي عن الحزب الديمقراطي للتواصل مع العالم الخارجي.