Menu
أوريدو

الصراعات الرأسمالية المفتوحة إلى أين ؟

حاتم استانبولي

إدارة ترامب تشن أعتى حرب على مؤسسات رأس المال العالمي، وتحاول تفكيكها وإعادة بنائها على أسس تخدم رؤية فئوية رغبوية لمجموعة وصلت إلى البيت الأبيض استخدمت الخطاب الشعبوي، عبر شعارات لإحياء الروح القومية، لإعادة الدور لاقتصاد السوق القومي، والأهم أنها تملك القوة المادية لاستخدامها في تحقيق غاياتها.

ما يدور الآن، هو صراع مركب بين مراكز رأس المال، الذي وصل لمرحلته العليا (الإمبريالية)، هذه المراكز التي تتصارع في إطار مؤسساتها، التي عملت على انشائها للتخفيف من حدة تعارضاتها، وإبقائها في إطارها القانوني الرأسمالي، وبين قوى رأسمالية ناشئة، منها من تريد أن تأخذ حصتها في السوق العالمي (كالهند وروسيا)، ومنها من يريد أن يزيد تراكم رأسماله وتوسيعه عبر فكرة المشاركة الاقتصادية (كالصين)، لنقل نواة مركز رأس المال الى حيزه.

بحكم أن المؤسسات الرأسمالية بكافة فروعها، مهيمن عليها من قبل المؤسسات الرأسمالية الأمريكية، وهذه الأخيرة ترى أن الوقت مناسب لتوجيه ضربات استباقية لحليفاتها من جهة، وخصومها من جهة أخرى . فاتخذت سياسة مزدوجة تقوم على الغاء الاتفاقيات السابقة، ومحاولة إعادة صياغتها بما يؤمن هيمنة كلية ويحقق أعلى ربحية، عبر رسوم إضافية وضرائب تدخل مباشرة لخزينتها، لتغطية العجز الدائم في رصيدها الجاري الذي يؤمن عمل المؤسسات الفيدرالية.

الولايات المتحدة تعاني من أزمة مالية خانقة، يرى الفريق الاقتصادي لترامب، أن حله لن يتم إلا عبر هيمنة أكبر على اقتصاديات العالم، عبر سياسات المجابهة والتفكيك والتغيير . التفكيك للمؤسسات الرأسمالية السابقة، وإعادة هيكلتها وتفكيك، وللهياكل السياسية للنظم الرأسمالية (الاتحاد الأوروبي).

المجابهة مع كل من الصين وروسيا، والضغط الاقتصادي والمالي عبر سلسلة من الإجراءات العقابية الجمعية لكل منها وحلفائهم (ايران وفنزويلا وجنوب افريقيا والأرجنتين و سوريا ). تغيير تجاه السياسات لكل من الهند والبرازيل وجنوب افريقيا، عبر التلاعب بالمكونات الداخلية لكل منها.

أما عن البقية فإن الإدارة الأمريكية تتعامل، معهم على أنهم مكب نفايات لنتائج شرورها وأعمالها، وتعيد إنتاجها (النفايات)، بأشكال محلية (إن كانت دينية أو ليبرالية وتعزز دور الفرد، وتحارب أية محاولة لإنتاج عمل جمعي لمواجهة سياساتها عبر تأجيج النزعات الفئوية والطائفية والمذهبية والعرقية والقومية، وتجعلهم في صدام دائم وتتناوب في دعم أطرافها، وتنصب عليهم وكلائها ).

إن ما تواجهه أوروبا من صعود حاد للاتجاهات اليمينية التي كان آخرها صعود اليمين المتطرف في السويد، السويد التي كانت تفتخر قبل سنوات بأن نسبتهم لم تكن تتعدى 4%، ولكن خلال العشرة سنوات السابقة وخاصة بعد أحداث المنطقة العربية في 2011، التي كانت تتنازعها التعارضات العبثية نتيجة السياسات الحكومية للنظم الكمبرادورية التابعة لمراكز رأس المال، لجأت المؤسسات السياسية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية، في تفكيك الدول التي تشكل نظمها خطراً سياسياً عليها كالعراق و ليبيا ، وإعادة بناء للنظام المصري لدمجه بالمنظومة الخليجية، ليشكل رصيداً للمجابهة المقبلة مع إيران، تحت عنوان الأمن القومي العربي، والمحاولات جارية لتدمير البنية السياسية والاقتصادية والمجتمعية السورية، بحده الأقصى ونزع أهم ثروتين تملكهما وهما الغذائية والنفطية، وبحده الأدنى عبر دعم النزعات العرقية الكردية شرق الفرات.

فلا يمكن أن تتحدث دول الخليج عن أمن عربي في غياب كل من سوريا ومصر، وعليه، لا بد من وجود إحداها لاستمرار تضليل شعوب المنطقة، ونتائج هذا "الربيع العربي" من ارتفاع معدلات الهجرة الجماعية القياسية إلى أوروبا، أدت إلى إعادة تركيب المشهد السياسي في الاتحاد الأوروبي، بصعود قوى اليمين التي هي مهيأة للانقضاض على الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، لإعادة تركيبها في حده الأدنى وتفكيكها في حده الأقصى .

إن دعم الفوضى في دول الشرق الأوسط وإفريقيا، لم يكن له أهداف محلية فقط، بل أهداف تطال دول الاتحاد الأوروبي، والضغط عليها من داخلها، تحت ذرائع الهجرة لدعم القوى اليسارية التي ارتكبت خطأً تاريخياً في دعمها للأصولية الدينية التي أنتجت القاعدة وتفريخاتها من داعش وأخواتها.

أوروبا اليوم تدفع أثمان غالية نتيجة السياسات الخاطئة، فقد كلفت اليسار الفرنسي انتهاء الاشتراكيين، وصعود اليمين في ألمانيا والنمسا والدنمارك والسويد، وعلت رايات الفاشية في وارسو وبودابست وخرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. إن الضربة المزدوجة في الشرق الأوسط، أدت إلى تفكيك وتدمير المجتمعات المحلية، وبذات الوقت كانت مادة لتغييرات سياسية في أوروبا.

نجاح الثنائي الأمريكي الإسرائيلي في هذه العملية المزدوجة، يهدف إلى فرض هيمنة سياسية إسرائيلية في المنطقة، وهذا ما نلاحظه من نتائج ملموسة، عبر تشريع العلاقة السياسية معها، والهيمنة الاقتصادية الامريكية على خزائن دول الخليج، وفتح حساب دائم جاري بينهم لتمويل الحرب على الشعب اليمني الفقير.

أما فلسطينيا فقد بدى النجاح الإسرائيلي، من خلال استخدام الإدارة الأمريكية، كأداة لمواجهة الفلسطينيين، عبر إسقاط كل الإنجازات الوهمية التي تمخضت عن (وادي أوسلو) والوعود بالربيع وشروق الشموس، التي أطلقت في أول لقاء اقتصادي شارك به بيرس في عمان .

إن اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، هو مدخل لقرار يعد في الكونغرس لسحب الاعتراف بها، وإعادة تفويض "الشأن الفلسطيني" لكل من الأردن ومصر، عبر تفعيل عقد التبعية السياسية مع الأردن، وتوزيع التبعية الاقتصادية بين مصر وإسرائيل بشأن غزة .

لقد وصل الاستخدام الإسرائيلي للإدارة الأمريكية لشن هجوم شرس على المؤسسات القانونية الدولية، من امم متحدة ومجلس أمنها، والمحكمة الجنائية الدولية، وتحاول أن تستعيض عن سيادة القانون الدولي كمعيار بالقانون الأمريكي، والذي عماده يقوم على الدفاع عن إسرائيل وإخراجها من الخضوع للمحاسبة في المنظمات القانونية الدولية، تحت عنوان أن إسرائيل يحكمها الحق الإلهي، وهي ضرورة لتحقيق الحلم الديني وتحقيق الرواية التوراتية.

السؤال المهم: هل تستطيع الإدارة الأمريكية الاستمرار بصراعها المفتوح مع الجميع سياسياً واقتصادياً؟ وهل يكفي كل من إسرائيل وبريطانيا حلفاء لها؟

استمرار الصراع بهذا الشكل، والتي تعتمد الإدارة الأمريكية فيه على النصيحة (الأسراكوشنيرية )، التي تقول بأن على أمريكا ابتزاز التعقل الصيني الروسي، فهل تنجح هذه الوصفة في حل مشكلات وأزمات الاقتصاد الأمريكي ومديونياتها الداخلية والخارجية ؟ ماذا لو نفذ القرار الصيني الروسي الإيراني، باستخدام العملة الوطنية في التبادل واستخدم المثال الفنزويلي لإعادة تقييم عملتها معتمدة على مخزوناتها الوطنية؟ ماذا لو اعتمد الروبل على مخزون النفط والغاز والصين والهند على معدلهم السكاني؟ أي نسبة تجارة المفرق الأستهلاك والدخل القومي.

النظام الرأسمالي سيشهد تعارضات حادة على المدى القريب، وتغيرات قد تصل لإعادة تموضع جديدة لمراكزه ومدى تأثيرها، وما يشهده العالم من معارك تشبه إلى حد بعيد المعارك الضارية بين الدببة والذئاب والتماسيح والأسود والفيلة.. كل له ميدانه فلا يمكن حسم المعارك بينهم.

في النهاية، ستتغلب قوانين الطبيعة ونظمها على إراداتهم، وسيذهب كل إلى محيطه، ولكن سيكون ثمن معاركهم باهظاً على نظمهم وعلاقاتهم، وسيكون لبقية سكان الغابة رأياً في مستقبلها.