في عام ١٩٥٤ لفت نظرنا أهمية جمال عبدالناصر لأول مرة، ولكن بشكل سلبي لا إيجابي، وذلك عندما عرفنا بخلافه مع محمد نجيب، حيث انضممت شعورياً وأغلبية جيلي بلا تردد ليس فقط لأننا كنا نعتبر محمد نجيب وليس عبد الناصر، هو زعيم الثورة، وبسبب خوفنا على هذه الثورة من الضياع ولكن لأن قضية الخلاف كما فهمناها وقتها، كانت حول الديمقراطية واستمرار الجيش في الحكم، أو عودته إلى ثكناته، وكنا بالطبع مع الديمقراطية والحرية، كنت وقتها في السنة الثالثة في كلية الحقوق، واعتصمنا في قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، رافضين الخروج حتى يعود نجيب إلى الحكم، وخرجنا في تظاهرات لتأييده؛ الأمر الذي انتهى بعودة نجيب بالفعل إلى الحكم وسحب استقالته، ولكن هذا الوضع لم يستمر إلا أياماً، كما هو معروف وسمعنا خلالها بضرب الدكتور السنهوري، رئيس مجلس الدولة في مكتبه، انتصاراً لسياسة عبد الناصر ضد نجيب، فأصابنا الغم الشديد، ولا أستطيع أن أصف شعوري نحو عبد الناصر وقتها بالحب؛ بل كانت الحقيقة هي العكس بالضبط.
بدا شعوري نحو عبد الناصر يتغير في ١٩٥٥ مع ظهور بوادر شيء جديد جاد، كان يسمى الحياد الإيجابي، والذي اقترن بذهاب عبد الناصر إلى مؤتمر باندونج، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية كما كانت تسمى وقتها وبلغ حماسي، حماس جيلي لعبد الناصر منتهاه، بسماعنا تأميم قناة السويس في ١٩٥٦، حيث لم تعادل فرحتنا بهذا التأميم إلا فرحتنا بقيام الثورة قبل أربع سنوات.
«عندما عدت من البعثة في ١٩٦٤، لم يكن لدي أي شك في صحة اتجاهات عبد الناصر وفلسفته، وقد تبينت فيما بعد عندما ظهرت الأرقام وأمكن النظر إلى تطور مصر الاقتصادي أن ما كان يحدث في مصر اقتصادياً واجتماعياً، بصرف النظر عن مشكلة الديمقراطية منذ ١٩٥٦ وحتى ١٩٦٥، كان أفضل ما مر في تاريخ القرن على الأقل، لم نكن في ذلك الوقت نرى إلا الجزئيات، ولكن حياتنا اليومية كانت تعكس هذا التطور الرائع في حياة مصر».
لقد حدث أوسع حراك اجتماعي سمح لأعداد غفيرة من الطبقات الدنيا ظلت محرومة قروناً طويلة، بالترقي في جودة الحياة ومستويات المعيشة والصعود إلى سطح الحياة، والانتفاع بثمرات التنمية والتعليم والتقدم.
أهمية تلك الشهادة أن صاحبها ليس ناصرياً، كما أنه يتميز بحس نقدي لا يداري ما يعتقده.
بهذا التعريف العام كان جلال أمين واحداً من أهم المثقفين المصريين في العقود الأخيرة، وأكثرهم تأثيراً بقدر وضوح أفكاره واختياراته.
المثير أن تأثير عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عليه أكثر بما لا يقاس، من تأثير والده المفكر الإسلامي الكبير أحمد أمين.
بعد انقضاء أيام يوليو، وجد نفسه أمام صياغة جديدة لأزمة المثقفين؛ حملات ممنهجة عليهم وتجفيف للمنابر الثقافية، وشيوع قيم تناقض ما يعتقده.
في ذلك الوقت دأب الرئيس الأسبق أنور السادات على وصفهم ب«الأفندية».
لم يكن الدكتور جلال أمين تنظيمياً ولا رجل سياسة بالمعنى المتعارف عليه، لكنه بدا واضحاً في الإلمام بالحقائق الأساسية لأزمة المثقفين الجديدة.
بدا «المثقف الخائن» أحد تجليات الأزمة.
سقطت أقنعة وتهاوى رجال، فيما ظهر على السطح «المثقف المهزوم»، وهو حالم وممزق ومنكسر.
أمام تلك التحديات تبلورت شخصيته الفكرية وتبدت قيمة إسهاماته وصلابة موقفه كمثقف.
كان من أوائل الاقتصاديين المصريين الذين عارضوا «الانفتاح الاقتصادي»، وضرب مشروع التنمية المستقلة وركائزه الاجتماعية، والسقوط تحت الهيمنة الأمريكية.
وكان من أوائل الذين التفتوا إلى ما يحدث في المجتمع المصري من تغيرات وانقلابات اجتماعية وثقافية، حتى اكتسبت كتاباته طابع المراجع المعتمدة، رغم أنه بالتخصص ليس عالم اجتماع.
عبقريته في قدرته على التقاط الظواهر من عاديات الحوادث، كأنه مؤرخ اجتماعي يحاول أن يشرح «ماذا حدث للمصريين؟» بتحليل يمزج بين روح الباحث المدقق في الظواهر، وطبيعة الفنان الذي ينفذ إلى جوهرها.
بقراءة ما في تجربته، هناك ثلاث شخصيات أثرت بعمق فيه.
الأول: الأستاذ أحمد بهاء الدين، وقد تشاركا الأفكار العروبية والاجتماعية والثقافية نفسها، كلاهما له رأي وموقف ومستوى من الالتزام، مع تجنب بقدر ما هو مستطاع الدخول في صدام سياسي.
والثاني: أمير القصة القصيرة يوسف إدريس، وهو أقرب إليه في ذائقته الأدبية وروح التجريب والمخاطرة الفنية، من نجيب محفوظ بكل إسهاماته الكبرى.
في كتاباته المتناثرة، وأغلبها لا يضمها كتاب، نوع من الافتتان بعالم يوسف إدريس، وكما يحدث في المعارضات الشعرية، كتب على نسقه تعليقاً مطولاً عن مقتل لاعب سيرك بمخالب النمر «محسن»، كما فعل «إدريس» في «أنا سلطان قانون الوجود»، عندما قتل الأسد «سلطان» مدربه قبل أن يموت حزناً عليه.
والثالث: الروائي البريطاني «جورج أورويل»، بعوالمه المقبضة التي تنتهك كل قيمة إنسانية وأية عدالة اجتماعية، ترددت استعاراته وانتقاداته في كتابات جلال أمين، كأنه يرى فيها ما يستحق التحذير منه.
باختلاف العصور أخذت أزمات المثقفين صوراً عديدة حتى وصلنا إلى «الانكفاء»، وهو وضع خطر يحرم البلد من قوته الناعمة، وقدرته على تجديد الفكر والروح.
ربما أحزنت آخر صور أزمات المثقفين المفكر الكبير قبل أن يغادرنا.

