على ضوء التوتر الحالي بين الكيان الصهيوني وروسيا، وتعزيز العلاقة العسكرية أكثر مع سوريا بتزويدها بالمنظومة الصاروخية المتطورة اس 300 ، ستتغير معادلة الاشتباك بين سوريا والكيان الصهيوني، وهو ما يعتبر منعطف حاد في مسيرة العلاقة السياسية والعسكرية التي كانت تربط الاتحاد السوفييتي السابق بدمشق.
فالمعروف أن سوريا منذ الحصول على الاستقلال الوطني من فرنسا الاستعمارية، شكلت دولة مناوئة للسياسة الغربية في المنطقة، ولم تكن يوما تربطها علاقات التبعية مع المعسكر الرأسمالي العالمي، كما هو حال بعض دول المنطقة وفي العلاقة السوفيتية العربية السابقة كان لسوريا في الاستراتيجية العسكرية السوفيتية موقعا هاما، بحكم حدودها الطويلة مع تركيا العضو الفاعل في حلف الأطلسي – الناتو، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا شغلت سوريا اهتماما خاصا من قبل المعسكر الاشتراكي وأداته العسكرية - حلف وارسو، أثناء الحرب الباردة بين المعسكرين.
في الظروف الحالية تقف روسيا مع النظام السياسي السوري لتصبح مع تداعيات الأزمة السورية أقوى حلفاء النظام، مقابل تدخل قوى عربية وإقليمية ودولية بشكل فعّال، خاصة الكيان الصهيوني وتركيا والولايات المتحدة، على أساس التعجيل بإسقاط النظام السوري، لتنتقل سوريا بعد ذلك من محور المقاومة والممانعة في المنطقة العربية إلى محور ما يسمى بالاعتدال، وهو الذي يضم الدول العربية التي تساير السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالحلول الإسرائيلية - الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وإنهاء الصراع الصهيوني - العربي.
على مستوى تدخل الكيان الصهيوني في الأزمة السورية تتلاحق الاعتداءات الجوية خاصة على بعض المواقع الإيرانية، حيث ينظر الكيان الصهيوني للوجود العسكري الإيراني في سوريا على أنه خطر استراتيجي على وجود الكيان نفسه، فعلى الرغم من الوساطة الروسية التي على أثرها تم أبعاد القوات الإيرانية مسافة 80 كم عن جبهة الجولان، إلا أن ذلك بالنسبة "لوزارة الدفاع الإسرائيلية" بقيادة الصهيوني الروسي الأصل ليبرمان لا يقلل من خطر بقاء الوجود الإيراني على الأراضي السورية .أما على مستوى التدخل العسكري التركي في الأزمة السورية، والذي تعاظم في هذه الفترة في منطقة إدلب آخر "قلاع" المعارضة السورية المسلحة القريبة من الحدود التركية – السورية، فهو مازال قائما على هدف إسقاط النظام السوري بحكم طبيعة نظام أردوغان الإسلامي المعادي للفكرة الوطنية والقومية، والتي تربطه علاقات مع بعض تنظيمات المعارضة الإسلامية السورية، وهذا الموقف السياسي التركي يبقى ثابتا ولا يغير من وجهته ما حدث من تقارب مؤخرا بين كل من روسيا وتركيا، فيما يتعلق بالأزمة السورية كرد فعل على الأزمة الاقتصادية بين أنقرة وواشنطن، والتي أدت إلى تدهور في قيمة الليرة التركية، وقد ترجم هذا التقارب بالسماح للطائرات الروسية بالتحليق في الأجواء التركية، مما أغضب إدارة ترامب، التي هددت بمزيد من الإجراءات الاقتصادية ضد نظام أردوغان الإسلامي.
تداعيات الأزمة السورية هذه التي اتضحت أبرز معالمها بعد إسقاط الطائرة العسكرية الروسية، وتحميل القيادة الروسية "إسرائيل" المسؤولية، والموقف الأمريكي العدواني الأخير من القضية الفلسطينية تطبيقا للتحالف الاستراتيجي الأمريكي – الإسرائيلي، يوفر فرصة كبيرة يجب على روسيا الاتحادية باعتبارها القوة العظمى المعادية تاريخياً للغرب وللهيمنة الأمريكية بالخصوص، أن تستثمرها لتعزيز العلاقة السياسية والعسكرية مع حلفاء آخرين في الشرق الأوسط، يُعرفون على المستوى الإعلامي في المنطقة بمحور المقاومة الذي من أطرافه إضافة إلى سوريا كل من إيران وحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية، وذلك في مواجهة التحالف الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني وتطبيقاته في الشرق الأوسط، وكذلك في مواجهة محاولة تمدد حلف الناتو الاستعماري أكثر في أوروبا الشرقية، التي كانت بعض بلدانها جزءاً من المعسكر الاشتراكي.
ذلك هو الرد المطلوب والصحيح الذي يخدم المصالح الروسية القومية الاستراتيجية على المستوى الدولي، والمصالح القومية العربية التحررية. والسؤال: هل بالإمكان أن تتوجه القيادة الروسية إلى تعزيز العلاقة السياسية والعسكرية مع هذه الأطراف، وذلك بدلا من قيام موسكو قبل فترة بتحقيق خدمات للأمن الإسرائيلي على طول الحدود السورية، وبدلا من الموقف السياسي الناعم قبل التوتر الحالي الذي كان يحرص عليه بوتين، الذي تربطه علاقة صداقة قوية مع نتنياهو، على الاستمرار به نحو الكيان الصهيوني بسبب وجود أكثرية من المهاجرين اليهود الروس الذين وفدوا إليه؟!
إن توسيع دائرة التحالف الروسي مع أطراف تربطهم علاقة عدائية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، يشكل فى واقع الأمر أرقى صور الترجمة العملية على النطاق الدولي، الذي يدلل على عودة الثنائية القطبية على مسرح السياسة الدولية، بعد تراجع سطوة القطب الأمريكي الأوحد.

