قرأت لمن يعتقد أن الصين ربما كانت في حاجة لعقدين آخرين، قبل أن تصل وتتربع على القمة. هناك بالفعل تيار في الكتابة عن الصين يميل إلى فكرة أن وصول دونالد ترامب إلى قمة السلطة في أمريكا، أنهى التزام القيادة الصينية بوصايا الرئيس دينج شاو بنج؛ بل وجدنا في بعض الكتابات الصينية ما يوحي بأن المسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني، توقعوا ما يطلقون عليه الآن الظاهرة الترامبوية. توقعوا أن يظهر في أمريكا حاكم أو تنظيم سياسي يرى بالوضوح الكافي، حال الانحدار في الوضع الأمريكي فيقرر التغيير.
الصين تصعد وروسيا تستعيد مكاناً فقدته عندما فقدت إمبراطوريتها السوفييتية. الدولتان واقعتان الآن تحت حملة عقوبات أمريكية، آخرها العقوبة الستون على روسيا، وفرض التعريفة الجمركية على المنتجات الصينية المصدرة إلى السوق الأمريكية. ليست مصادفة اجتماعهما في هذه الحملة. كلاهما محل اتهام بالتدخل في الشؤون الداخلية لأمريكا، وكلاهما بالفعل يتقاربان منذ فترة غير قصيرة. أنْ تشترك الصين بقوات وأسلحة متنوعة في أهم مناورات تجريها القوات الروسية في سيبيريا، لهو خطوة واسعة ولا سابقة لها في العلاقة بين الدولتين. أضف إلى هذا التطور تطوراً لا يقل أهمية في علاقات التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار، وتبادل الخبرات في قطاع إنتاج الأسلحة بالغة التقدم التكنولوجي.
أظن أن أمريكا في ظل الحالة الترامبوية ستسعى فعلياً للتوصل إلى استراتيجية تراضٍ مشترك بين روسيا وأمريكا. لست من الذين يقللون من أهمية موقف ترامب تحديداً من بوتين خاصة، وروسيا عامة. شيء ما يحدث في أمريكا لا يقبله منطق الدارسين لأمريكا وعقيدتها السياسية. غير مفهوم أن يكون النظام السياسي الأمريكي ديمقراطياً ليبرالياً، يحكمه القانون والتوازن بين المؤسسات الدستورية، بينما واقع الحال يشير إلى أن أمريكا تكاد تصنف واقعياً دولة يحكمها نظام الرجل الواحد.
الصين لا شك، تدرك مصير العلاقات الدولية ومصيرها هي تحديداً، في ظل قيادة عالمية تهيمن عليها منفردة أمريكا الترامبوية. المثير في الأمر أن الصين صارت تجيد أساليب الغرب في الاستثمار في مصادر الثروة في الدول النامية. بينما كانت هي نفسها ضحية هذه الأساليب.. فضحتها قضية الميناء الذي شيدته في سريلانكا بقروض هائلة، عجزت الحكومة في كولومبو عن سداد أقساطه، فآلت إلى الصين ملكيته شبه الدائمة، تماماً كما كان يحدث في الصين قبل الثورة. هذا المصير قد يتكرر في أوروبا ذاتها، فتؤول موانئ وطرق نقل ومستودعات وأحياء كاملة للصين، تُديرها وتستثمرها عشرات السنين، في حال عجزت دول القارة عن سداد القروض الصينية.
أتصور أن الأوروبيين يقفون مترددين أمام الضغوط الأمريكية التي بالكاد بدأت لوقف صعود الصين أو توسعها في الغرب. الصين، رغم قوتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي لا تزال سوقاً تجارية هائلة. الصين الآن سوق وفرصة قلما يتوفران معاً في العصر الحديث.
أوروبا في حاجة للصين خاصة أن أمريكا الترامبوية تنسحب وتنعزل تحت شعار: «أمريكا أولاً»، وفي الوقت نفسه لا يُخفي الأوروبيون قلقهم بسبب السمعة السيئة للاستثمارات الصينية، وهي السمعة التي ترددها بحماسة شديدة هذه الأيام أجهزة الإعلام ومراكز البحوث الأمريكية.
في وجود جون بولتون، أستطيع أن أصدق ما يتردد عن خطط أمريكية «جهنمية» لوقف الصعود الصيني أو تعطيل ما تبقى من جهود لاستكماله. سمعت عن خطة لإثارة صراع قديم جديد بين فيتنام والصين. مرة أخرى قد يلجأ الأمريكيون إلى النعرة القومية وأحياناً الوطنية، لتشتعل حرب في دولة ما أو بين دولتين؛ لذلك يجب أن نتوقع اتصالات أوسع وأقوى بين أمريكا وفيتنام ضد إرادة الشعب الأمريكي الزاهد الآن في أي مغامرات خارجية.
أقرب إلى خيالنا تايوان، هذه الجزيرة التي كتب عليها أن تظل خاضعة للحكم الأجنبي مئات السنين، حان وقت عودتها إلى الوطن الأم، حسب الصين. يمكن جداً أن تنشط الدبلوماسية الدفاعية الأمريكية فتعيد التوتر إلى المضايق الفاصلة بين الجزيرة وأراضي الوطن الصيني. في هذه الحالة سيتحول اهتمام الصين كاملاً إلى الصراع حول تايوان، مؤجلة القضايا الأخرى المتعلقة بالصعود. نتوقع أيضاً، وأظن أنه حادث بالفعل، أن تندفع الهند اندفاعاً مهووساً نحو إقامة تحالفات عسكرية مدعومة أمريكياً، لجذب القوة البحرية والصاروخية الصينية في اتجاه جنوب آسيا؛ أي بعيداً عن الباسيفيكي، باعتباره المجال الحيوي لخطوط مواصلات الولايات المتحدة.
السؤال الحائر لكن الأكثر ترديداً هو الآتي: هل لدى الولايات المتحدة من عناصر القوة المكتملة؛ أي سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً وعسكرياً وتكنولوجياً، ما يسمح لها بوقف استعادة روسيا بعض مكانتها، ووقف صعود الصين أو منعها من ممارسة حقها في المشاركة في القيادة؛ بل وهل لديها الإرادة السياسية والمكانة الدولية الضروريتان لتخصيص مناطق نفوذ لكل من الصين وروسيا في حال قررت الأخذ بالوسائل السلمية لصنع نظام دولي جديد؟

